صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

فيا أيها الإخوة المؤمنون، مشائخ وأساتذة وأدباء، أيها المواطنون الفضلاء، السّلام عليكم جمعيا ورحمة الله تعالى وبركاته. لقد اعترتني هزّة لا تخلو من حيرة وتساؤل، وأنا أتسلّم الإخبار بإقامة هذه التّظاهرة التي تذكّرنا برمز من رموزنا بعد ثلاثين عامًا من الغفلة والنّسيان والمتمثل في شخصية المرحوم الحاج إبراهيم بن عيسى أبي اليقظان. ولكني سرعان ما ثبت إلى رشدي بعد أن استنطقت الواقع المعيش في وطننا عامّة، وفي منطقتنا خاصّة، لأتفحّص وضعية الثّقافة وحظّها من العناية والحرص، وتشجيع ذويها في مجال الإنتاج والإبداع. إذ وجدت -مثل الغيورين عليها- إهمالا وإسفافا، وتضييقا وإعناتا يخنق الأنفاس، ورعش الأيدي فلا تكاد تتصالح مع اليراع والقرطاس. لأن الثّقافة مثل الكائن الحيّ لا تكون لها صحتها ونضارتها إلا في البيئة النّقية التي تتوفر على وسائل النّماء والازدهار، وتتاح لها فرص الانطلاق والانتشار.

وإلا فخبّروني بربكم أيّ قيمة اليوم في مجتمعنا للأديب الأريب؟، وأيّ مكانة للعالم الحصيف أزاء الأصناف البشرية الأخرى ممن يحسن النّفاق والرّوغان ويتقن اللّفّ والدّوران، ويخوض مع الخائضين في كل ميدان؟، ألا ما أشقى المجتمعات التي تحابي الغش والرّداءة، وتجفوا لإبداع والإتقان!.

أيها الإخوة الكرام، شكرا وألف شكر للذين قاموا بهذه المبادرة الطّيّبة، فأنعشوا الأمل، وأنصفوا التاريخ، تذكيرا برموزه، وإحياء لتراث رجالاته. لأن الذّاكرة التّاريخية مهما علتها ركامات النّسيان، أو احتوشتها إبرة التّخذير فإنها تنتبه وتستفيق لألطف مسّ يجسّها، وأخفّ مسح يصقلها، فإذا بها تكشف المكنوز وتبشّ للطّالبين.

٢١٩ / ٥٠٤