صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠فها نحن بأزاء علم من الأعلام ونجم من نجوم تراثنا، تسامى في عليائه فلا يكاد يظهر للأبصار، لأن أرقى الكواكب ما استبان ضئيلا، إنّه شيخ الصّحافة المرحوم الحاج إبراهيم أبو اليقظان، فإذا كان القرن الماضي محطّة الانطلاق للنهضة العلمية والفكرية في العالم العربيّ والإسلاميّ عامّة، وفي وطننا العزيز خاصّة، فإن الشّيخ أبا اليقظان يعدّ في طليعة الفرسان، انطلاقا في حلبة ذلك السّباق، حكمة ورأيا وشجاعة وإقداما. لقد تحدّى الظّروف الصّعبة في تلك الحقبة التّاريخية والمستعمر الخؤون يتنمّر ويستأسد في مغربنا الكبير، ويعتبر الجزائر مقاطعة من مقاطعات الوطن الأمّ يفصلها البحر المتوسط، كما يفصل نهر "السّين" بين شطري باريس. وكانت الصّحافة العربية أعزّ من الكبريت الأحمر، بل هي العفريت الذي لا يفكّ إساره من القمقم إلا وهو مسخ من الرّطانة والتشويه، ولا تجد مجالا للإبقاء على الرّمق إلا في الكتاتيب والزّوايا بين المعلّم والفقيه. لقد كان جهاد الكلمة يومئذ أشدّ إحراقا من الشّهب على شياطين الاستعمار، وأمضى اختراقا من الرّصاص على قلوب الجبابرة الأشرار. فما طأطأ الشيخ رأسه أمام استجوابه في كل مرّة من طرف الجلاّدين، ولا فلّت عزيمته مصادرة مختلف العناوين، وهو يجدّدها في كل مرة إلى حين.
لقد شغف حبّا بالصّحافة حتى أصبحت قوام حياته مثل الهواء والماء. والإنسان إذا هام حبّا بشيء فهو لا يبالي بما يلحقه في تحقيق مراده من إرهاق وإعياء. فلنستمع إليه يتغنّى بها ويقول:
إن الصّحافة للشعوب حياة … والشّعب من غير اللّسان موات
فهي اللّسان المفصح الذّلق الذي … ببيانه تتدارك الغايات
وهي الوسيلة للسّعادة والهنا … وإلى الفضائل والعلا مرقاة
هي معرض الأعمال برهان على … مقداره، بل إنها المرآة