صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٢١حقا، لقد قدّم لهذا المنبر الحرّ عصارة فكره وحشاشة روحه دونما يأس ولا قنوط، ولا كسل ولا ملل في سبيل بلاده التي أشربها حبّا لا تزحزحه التّحدّيات، ولا تنال منه المغريات، ولا تحدّ من أفقه ضيّق التّصوّرات وهو يعبّر عن ذلك ويقول:
إن خلت شمسا قلت: بلادي … أو طلّ بدر قلت: بلادي
أو لاح نجم قلت: بلادي … أضناني حبي لبنت الكرام
ذ
وهو يرى كل بلد عربّي مسلم وطنا له لا تعزله الحدود، يعيش واقعه سرورا واستبشارا بمنجزاته وانتصاراته، أو ألما وتحسّرا لضوائقه وانكساراته. وقد شاءت حكمة الله أن يواكب كل التّطوّرات الكبرى خلال القرن الماضي ليصبح أحد الحداة المرموقين في موكب الإصلاح والتّغيير، على ما في الطّريق من أشواك وخنادق لعرقلة السّير. فآثر أن يكون في صميم الحركة الوطنية تأسيسا ودعاية وتنظيما إن في الحركة الدّستورية بتونس أو في جمعية العلماء بالجزائر، فلا عجب أن يرصده المستعمر الخؤون أيام نشاط الحركة الوطنية، قبل الحرب العالمية الثّانية وخلالها. وكم هو شديد على الأحرار أن لا يجدوا متنفّسا لما يعتلج في نفوسهم من العواطف والمشاعر. فكم كانت أنات الشّيخ أليمة عندما كمّت الأفواه ورصدت المنابر الحرّة بمواقف وقرارات رسمية يتفنّن الاستعمار في كل مرّة ويتعلّل في إصدارها فلنستمع إليه يتذمّر من تلك الوضعية ويقول:
فلقد غدونا في زمان من يرم … فيه الكلام يكن من السّفهاء
ويعدّ رفع الصّوت فيه تظلّما … هو من أخسّ كبائر الفحشاء
ويحاكم القلم البريء به لما … يبدي من الإبداع في الإنشاء
إلى أن يقول:
حقا لكلّ جزائريّ عاقل … مرّ البكا بمناحة البلواء
هذي صحافته لسان بلاده … ماتا شهيدة عزّة وعلاء
وبموتها موت الجزائر تابع … قطعا بدون تجاهل ومراء