صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٤١نعم، إنها الانطلاقة البريئة لكل واحد منا -نحن الجيل المخضرم- لمرحلة العمر، فهي وإن بدت لأجيال اليوم عقيمة متخلفة في المجال التّربويّ والمعرفي، فنحن نعتبرها الأساس المتين والرّكيزة الكبرى في تكوين شخصيتنا وقيام وجودنا. فكم تقلبت الأيام والليالي ببني الإنسان، وكم تغيّرت الأوضاع وتطوّرت المفاهيم!. وكم فتن النّاس في مقوّمات أصالتهم حتى صاروا إمّعات يهيمون في كل واد، وينخدعون لكل صائح أو مناد. ولكن الذين رضعوا لبان أمّهاتهم نقية طبيعية هم في مناعة من كل داء، وفي حصانة من شرّ الوباء، وهم لا يزالون الدّرع الواقي والسّياج المنيع لهذا المجتمع الطّاهر.
ولسنا بقولنا هذا ننتقص من حصيلة الأجيال الحاضرة في العلوم والتّكنولوجيا، فما من شك أنهم بذلك محظوظون، وأننا لتفوّقهم مغتبطون، غير أننا نخاف عليهم من بنيات الطّريق، وعدم الفرز بين العدوّ والصّديق، أو جنوحهم -أحيانا- إلى التّهوّر والتّطرّف محاكاة وتقليدا، أو مبادرة من عند أنفسهم تحديثا وتجديدا.
فعلى رسلك -أيهذا الجيل- فأنت وإن خلقت لزمان غير زماننا، فلا يعني ذلك أبدا أن تقوّض المعالم وتكسر الحواجز والسّدود، فشرّ النّاس من أزورّ للماضي وتنكّر للجدود. يقول الرّصافي:
فشرّ العالمين ذوو خمول … إذا فاخرتهم ذكروا الجدودا … ذ
وخير النّاس ذو حسب قديم … أقام لنفسه حسبا جديدا
فلكم علينا -أيها الأبناء- أن نسلّم لكم المشعل ناصعا وهّاجا، وأنتم في الحلبة تستعدّون وتتأهّبون، وعليكم لنا حفظ الجميل وحسن الإنصاف في حبّ وانسجام بين أبوّة شفوقة رحيمة، وبنوّة صالحة مستقيمة. وبذلك وحده يتحقق تواصل الأجيال، وما نرجوه لمجتمعنا من خير الحاضر وحسن المآل.