صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢٦١

أيها الزملاء الأوفياء، لقد طال بي المشوار في حلبة التعليم والإرشاد، فاكتسبت من الخبرة أروع زاد، ولا أزال أغدّ السّير وأنا على خطوات من يوم المعاد. فأرجو من الله حسن الخاتمة وجميل العاقبة. وإذا ما حاولت أن أفيدكم ببعض ما تزوّدت به في هذه الرّحلة الطّويلة، فهو أن تركّزوا في أنفسكم حبّ هذا البلد الذي احتضنكم في المهد، وحباكم بخيراته دونما منّ ولا كيد، وهو باق على حبّه وبرّه لكم حتى الثّواء في اللّحد. فواجبكم أولا أن تبادلوه حبّا بحبّ ووفاء بوفاء فإن ذلك يشحذ عزائمكم ويثبّت أقدامكم أمام المثبطات، ويذيقكم في مسار جهادكم متعة الحياة، فإن المحبوب مهما تدلّل وقسا، أو تظاهر بالجفاء، فإن قلب الحبيب يزداد به حبّا وولعا، ويحتمل في سبيل إرضائه كل تعب ووصب، فلم يخطئ الشّاعر حين قال:

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة … وقومي وإن ضنّوا عليّ كرامُ

قد يتنكر حسود، وقد يتردّد مرتاب -وتلك طبيعة البشر- فإياكم والنّكوص على الأعقاب لأن ذلك لا يوقف الفلك الدّوار، ولا يثني إرادة الواحد القهار: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).

فلنستمع إلى تجربة أمير الشّعراء حين وَخَطَهُ الشّيب إذ يقول:

فمن يغتر بالدنيا فإني … لبست بها فأبليت الثّيابا

جنيت بروضها وردا وشوكا … وذقت بكأسها شهدا وصابا

فلم أر غير حكم الله حكما … ولم أر دون باب الله بابا

ولا عظمت في الأشياء إلا … صحيح العلم والأدب اللّبابا

ولا كرّمت إلا وجه حرّ … يقلد قومه المنن الرغابا

٢٦١ / ٥٠٤