صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢٧٠

الحمد لله الذي يجتبي من عباده من يشاء، وقد مكّن بين الخلق لهديه فجعل العلماء ورثة الأنبياء. نحمده تعالى حقّ حمده، ولا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيّدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدّين، أما بعد:

فيا أيها الإخوة الفضلاء، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته. تمضي بنا الأيام وتتوالى السّنون، وتتراكض الأجيال على حلبة الحياة متهادية أو متنافسة، وكلها تنتهي إلى ما قدر لها من المصائر والآجال، والله من ورائهم محيط، عالم الغيب والشّهادة الكبير المتعال، وقد لا نحسّ -نحن البشر- بمواقع بعض الرّجال الممتازين بيننا إلا أن يتركوا فراغا قد لا نطيق له سدّا، لأن المعاصرة حجاب -كما يقولون- وكم من غفلة تنتابنا عن أداء حقوق بعض الأحبة والأصحاب، لا عن جفوة أو نفور، ولكن لتزاحم الواجبات، وشحّ في الفرص والأوقات.

ولعلنا -نحن الجيل المخضرم- من قدماء البعثة البيوضية في القرارة وفي تونس الخضراء ممن عانوا ذلك الواقع المؤسف، إذ توزعتنا مجالات الحياة المختلفة، وتنازعتنا مسالكها المتعدّدة، فلم يلو أحدنا على أحد إلا لمباركة وتهنئة، أو لمؤاساة وتعزية. وكم من صديق برّحت به النّوى وشطّ به المزار، فما ندري أحالفه الحظ أو ناوشته الأقدار وكم من رفيق تحمّل ما لا يطيق، فهو لا يوفّى حتى بحقوق نفسه، فكيف بغيرها من الحقوق؟.

٢٧٠ / ٥٠٤