صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢٧١

فلا تعذلوني -أيها الإخوة الكرام- إذا صرّحت بأنني كنت على هذه الشّاكلة مع رفيقي الشّيخ بكير بن محمد أرشوم -رحمه الله- فمنذ أن فرقتنا تكاليف الحياة بعد زمالتنا في تونس الخضراء أصبح كلانا مربوطا بواجباته التّربوية والدّعوية لا يجد في برنامجه متنفسا لراحة أو استجمام، بله التّشاور والتّنسيق. لقد ترافقنا في مسار الدّراسة والتّحصيل فعرفت فيه الطّالب الأريب الطّموح والعصاميّ الفذّ، تلحّ عليه الآمال الكبيرة ليصبح ذات يوم في بلده محور النّشاط الدّعوي توجيها وإرشادا وفتوى وصدرا حنونا للناشئين، يحتضن أنيسهم، ويستأنس شرودهم حتى يفيئوا إلى الهدى والصّواب، فما قصر له باع في التّحصيل على ما يعانيه من فقدان البصر، إذ حباه الله ذاكرة قوية وحسّا مرهفا مع ذوق جمالي رفيع جمع به بين رونق الفن والأدب، ومتانة علوم الشّريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول. وهكذا وفقه الله إلى تحقيق ما كان يتمناه حتى أصبح في بلده الشّيخ الوقور له مقامه الممتاز بين رفاقه وطلابه، وله قدره الرّفيع بين أصدقائه وأحبابه.

أيها الشّيخ الوقور، لقد ظللت حارسا في ثغر معرّض لكثير من التناوشات البغيضة، وعشت مسدّدا ومقاربا في مجتمع لا تنام عنه أعين اللئام، وتهزه من حين لآخر تقلبات الأيام، فما زلت في مجاهدة ومصابرة حتى اختطفتك يد المنون، بكيفية لم تقع في حسبان ولا توقعتها الظّنون، إذ أدركك الموت وأنت مهاجر إلى الله ورسوله في البقاع المقدسة، لتحتضن جثمانك الطّاهر أقدس بقعة على وجه الأرض، فأية كرامة نريدها لك أعظم من هذه؟. إلا أن يسلكك مولاك في عداد أوليائه من الصّديقين والشّهداء والصّالحين.

٢٧١ / ٥٠٤