صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤أيها المجمع الكريم، إن المرء الكريم النّفس والطّيّب الطّبع يستكثر من أصدقائه وأحبائه بلطافة معشره ولين جانبه مهما بلغ من علوّ المنزلة وحظوة الجاه لأن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه كما يقول المثل، ولقد ضرب أستاذنا أروع الأمثال في هذا الجانب، وأنا الآن أتوسّم فيه نوعا من هضم النّفس بل تغشاه مسحة من الخجل وهو يحاط بمثل هذه الهالة من التّكريم، وكأني بلسان حاله يقول مع الشّاعر إيليا أبي ماضي:
من أنا؟، ما صنعت؟، كي تعصبوا … بالتّاج رأسي؟، وأي شأن شأني؟ … ذ
لا افتخار لنحلة وجدت حقلا … فعادت من زهرة بالمجاني
أنا من روضكم قطعت أزا … هيري، ومن بحركم غرفت جماني
إن أكن فرقدا فأنتم سمائي … أو هزارا فأنتم بستاني
أي بدع إن أخرج الحقل للنا … س صنوف النبات من نسيان
نعم أيها الإخوة، إن الولد البارّ مهما تدرّج في مراتب المجد والعلا، ومهما تربّع على مقاعد العز والشّرف فإنه لا ينكر فضل والديه، ولا ينقص قدرهما؛ لأنه لا يبلغ شاوهما في التّضحية والإخلاص ولا يدانيهما في المودة والرّحمة، والولد من كسب والديه كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن نحن أكرمنا هذا الولد كما أكرمنا أمثاله من الممتازين فإننا في الواقع نكرم أنفسنا لأن أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض كما قال الشّاعر.
فبوركت يا محمد في زمرة الرّجال الخالدين وحسبك من هذا الحفل البهيج بشارة شرف وفخر تغالب بها لأواء الحياة وتنسيك وطأة السّنين. وها أنت اليوم في منحدر العمر وما تزال فيك بقية من جهد فلا تقعدن عن مواصلة جهادك مهما ثقل ووعر مسلك الطّريق.
وكل من سار على الدّرب وصل، والكيّس الأريب لا يجد الرّاحة الكبرى إلا في الكدّ والعمل.