صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢٩٦

أجل! لقد كان -رحمه الله- ملتزما بمبادئه، مخلصا في عقيدته: عرفته معركة الجزائر الكبرى بطلا مغوارا سخّر كل ما يملكه لفعاليتها ونجاحها، فما أرهبه السّجن والاعتقال، وما أفزعه التّعذيب والاغتيال، ولا ردّته السّدود والحواجز، بل راح يتحدّى الموت في كل مسلك وسبيل. حتى إذا قرّت عينه بتحرير الوطن، وطابت نفسه بأكاليل النّصر، لم يطمح إلى منصب وجاه، ولا أمتدّت عينه إلى متاع من الدّنيا يكون له جزاء على ما قدمه من تضحيات، لأنه نشأ على قول رسول الله: «إنّما الأعمال بالنّيات»(1).

وهكذا رجع إلى أرض الوطن بعد غربة مضنية، رجع إلى دكانه المتواضع، الذي كان أحد المعاقل السّريّة لأبطال الثّورة في معركة العاصمة. فأخذ يرأب من صدعه، ويلمّ من شعته، ويضمد من جراحه بوسائله الخاصّة غير مستجد ولا مستخذ لسماسرة الجاه والمناصب. ولعل من غريب المفارقات أن يعرف شبابنا عزة النّفس في فقيدنا -رحمه الله- إذا أبت نفسه العظيمة طلب البطاقة الرّسمية للمجاهدين -وهي له حق مشروع- ولم يحاول اكتسابها إلا مؤخّرا بعد إلحاح من رفاقه في الكفاح، واغتنمها المتربّصون والانتهازيون، وكثر فيها أدعياء النّضال والجهاد، حتى طابت نفسه لرجاء رفاقه الأوفياء، فاستكمل إعداد الوثائق وتقديم الطّلب. وما إن بشر بقبول الملفّ، حتى اخترمته يد المنون وحم به القضاء.

(1) - رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حديث 01: 1/ 06.

٢٩٦ / ٥٠٤