صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

فيا أيها الإخوة المؤمنون، مشائخنا الأعزاء، ضيوفنا الكرام:

كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر … فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

إنني في مثل هذا الموقف الرّهيب أستسمح لنفسي أن أردّد مع الشّاعر هذا البيت في مطلع كلامي، وأنا أحاول جاهدا أن أمسك بعنان الحديث، فتشرد عني العبارات وتغالبني العبرات فلا أكاد أبين.

نعم إن الخطب جلل والمصاب أليم، والرّزء جسيم وأي خطب أشدّ على الإنسان من الموت، فما باله إذا اختطف منك أعزّ النّاس وأسماهم مقامًا عندك فتلك -لعمري- قاصمة الظّهر والقارعة التي تزلزل القلوب وتحبس الأنفاس وتعقد الألسن، وتطوّح بالإنسان إلى متاهات الحيرة والأسى، لولا أن يتداركه لطف الله فيفزع إلى ركنه الرّكين، ويهرع إلى حرزه الأمين، ملتمسا في أكنافه حلاوة الإيمان وبرد اليقين.

أيها الإخوة المؤمنون، آمنا بالله وباليوم الآخر، وتيقّنا بأنّ الموت حق، وأننا ملاقو ربّنا بعد حين. فلم الحزن -أيها الإنسان- على ما أنت صائر إليه إذا طرق الموت بابك ليأخذ أقرباءك وأحبابك؟، كأنك من غوائله في منجاة، تراودك الآمال بطول الحياة، مغترا بقوة الفتوّة والأماني الكاذبة، وتختار العاجلة على الآجلة، كأنك في معزل عن القافلة، وهي تغذّ السّير إلى مصيرها المحتوم، حاملة أزوادها إلى يوم الوقت المعلوم. فليس المصاب في فقد آبائك وأولادك، وإنما هي في نوعية بضاعتك وأزوادك، لتعرضها في ذلك السّوق العظيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

٢٩٨ / ٥٠٤