صرخات
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩فها نحن نحمل على أكتافنا هذا الطّوّد الأشمّ العلاّمة الفاضل شيخنا يوسف بن بكير، لنودعه مثواه الأخير، إذ لبّى نداء ربّه بعد عرك من الزّمان، وابتلاء وامتحان، أظهر فيه من الصّبر وقوة الشكيمة ما بوّأه المقام الأسمى في المجد والمكرمات، وخولّه الرّتبة العليا في التّقى والصّالحات وأتاح له الفرصة للصّعود في مدارج العلم والعرفان، وهو يصارع منذ حداثة سنّه ذلكم الّثالوث البغيض: يتما وفقرا وفقدان بصر. فلم يثن ذلك من عزمه، ولا صدّه عن نبل قصده، وهو يرتحل إلى طلب العلم انطلاقا من العطفاء إلى بني يزقن في حلقة قطب الأئمة -رحمه الله- فإلى القرارة ثم إلى تونس الخضراء، لينهل من رياض الزّيتونة ويروي غلّة نفسه الطّموحة من مواردها العذبة.
وقد ترك عند علمائها صيتا ذائعا وذكرا محمودا لمسنا بعض آثاره وسمعنا بآذاننا بعض أخباره.
وعندما ملأ وطابه عاد أدراجه إلى بلده، وكانت يومئذ أحوج ما تكون إلى من يضيئ شموع العلم على ما أصاب ذبالتها من فتور، فإذا بالآمال تنتعش في نفس يعقوب، وقد جاء البشير بقميص يوسف شفاء للأبصار، وبلسما للنّفوس.
ومن يومها غدا حليف بيت الله يعلّم ويرشد، ويعظ ويفتي ولا يدّخر وسعا في نشر الفضيلة ومحاربة المنكر، وحبّ الخير للإسلام والمسلمين. وها هو اليوم ينام إلى جوار ربّه قرير العين مطمئن النّفس، وقد ترك بلاده في أسعد حال علما وعرفانا، وازدهارًا وعمرانًا، واستقرارًا ووحدةً وانسجامًا، وهو ما فتئ في أحرج الأوقات واشتداد أزمته الصّحية يسأل عن كل ما جدّ من الأحداث على الصّعيد المحلّي أو الوطني يُسَرّ ويتألم لآمالها وآلامها بنظر ثاقب وعقل حصيف.
وهي -لعمري- ميزة نفتقدها اليوم عند كثير من مواطنينا ومثقفينا على الخصوص.