صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥فمن لنا بشباب ذلكم الرّعيل الأول الذي تدرّج في مهد النّبوءة وترعرع في مهبط الوحي! وأنّى لمثل شبابنا اليوم أن يتذكّر هادم اللّذات، وقد احتوشته الأماني واستحوذت عليه الرّغبات والشّهوات؟ فإن آمن بالموت فهو لا يرتقبه إلا للشيوخ والمرضى، وإن عاين القبور فقليلا ما يذكر أنها ستكون يوما مثواه، أما ما وراء الموت فشأنه غامض غريب ومداه بعيد. فيغتنم من اللّذات قبل الفوات وربما قال قائلهم: هيهات لما توعدون هيهات.
وإذا قيل لهم: كفكفوا عنكم هذه الغلواء، وادّخروا هذه القوّة لما هو أجدى وأسمى، وانتهجوا لحياتكم نهج الشّريعة الغراء، قالوا تلك -إذن- كرة خاسرة، أن نأخذ بتقاليد القرون الغابرة، ونحن في عصر الصّاروخ والطّائرة، والسّفن الفضائية وحرب النّجوم؟.
فعلى رسلكم -أيها الشّباب- فنحن لا نعيب عليكم الطّموح ولا نعتب عليكم التّطلع للمستقبل، فأنتم -ولا شك- عماد الأمة ومعقد آمالها، وبسواعدكم سوف تنجز -بحول الله- مخططاتها، وبهممكم وعزائمكم تحلّ مشاكلها وتخرج من أزماتها.
غير أننا نربأ بكم في اندفاعكم أن تتعدّوا حدود الله أو أن تلتمسوا الرّشد في غير هداه، فتخطئون التّقدير بين معنى الطّموح والجموح، والشّجاعة والتّهوّر، والحرية والفوضى، بل حتى بين قيمة الوطن وقداسة الدّين، في عهد اختلطت فيه المفاهيم، واضطربت الموازين، وزيّفت الحقائق، وجنّدت وسائل الإعلام العالمّي لتلبس الحق بالباطل، وتنذر النّاس بشرّ مستطير إن هم أعرضوا عن توجيهاتها، لتضرب الأمم المغلوبة على أمرها في أعزّ ما تملكه من فتوّة شبابها حتى يكونوا أحلاس الملاهي والحانات، يرتعون في بؤر الانحرافات، فتسّخرهم أعوانا لها للدّسائس والمؤامرات.
فحذار حذار -أيها الشّباب- من الغرور والفتون، فإن دينكم الحنيف يأمر بالاعتدال والاتزان، إذ يقول جلّ وعلا: ﴿اللهُ الذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ (الشّورى:17).