صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٠٦

ويقول: ﴿لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد:25).

فهذا الميزان الذي هو رمز لإحقاق الحق وإثبات العدل لا نلتمسه في مصانع أوروبا ولا أمريكا، ولا في أيّ بقعة من بقاع الأرض، لأن اليد البشرية الصّناع ترتعش مهما بلغت من الدّقة والمهارة، والنّفس البشرية تميل مهما خاضت في النّقاء والطّهارة. بل الميزان المشار إليه في الآية الكريمة مستودعه في السّماء، فهو نازل من عند الله مع الكتاب على المعتمدين في خلقه أولي الحكمة وفصل الخطاب.

أيها الإخوة المؤمنون، لئن تأسفنا لسوء حالنا فلا يعني ذلك أننا قانطون، ولا يقنط من رحمة ربّه إلا الضّالّون. بل هو الشّعور بالنّقص الذي يدفع صاحبه إلى طلب الكمال، وهو الاعتبار والإدكار من صروف الدّهر وتقلبات اللّيالي.

وإلاّ فما تعوزنا -والحمد لله- النّماذج العالية من صفوة الشّباب وخيرة الرّجال. ونحن نسعى دائبين لبناء نهضتنا، وتأصيل شخصيتنا، وتأثيل مجدنا.

فهذا أحد أبنائنا البررة، يفاجئنا القدر بوفاته، وهو في عنفوان شبابه، وإقبال على مسؤولياته بكل تفان وإخلاص، يتسم بالعقل والرّزانة، ويتحلّى بالصّبر والأناة ويجمع بين المعاصرة والأصالة، بثقافة مركزة متفتحة وتربية إسلامية مثلى تفيض طهرا وصفاء، وتتشخص في سلوكه استقامة وتواضعا وحياء.

أجل! لقد هزّتنا هذه الفاجعة الأليمة، وعظم علينا هذا الرّزء الجلل، ففزعنا إلى إيمانا وجأرنا إلى الله كاشف الضرّ ومعظّم الأجر، مردّدين تسابيح المؤمنين الصّابرين، ﴿إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156).

فانعم بجوار مولاك -يا يحيى- فهو خير لك من هذه الدّنيا. ولئن عزّ علينا فقدك، فنحن على يقين -بإذن الله- أنك واجد في حظيرة الخلد ما هو أثمن وأغلى من الأهل والولد، لأنك قدمت الثّمن وتزودّت للرّحيل.

٣٠٦ / ٥٠٤