صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩وأنت يا أعزّ فقيد، ويا أوفى صاحب وأخلص رفيق!. ما الذي نتمناه لك عند الله أكثر مما حباك به؟، وقد غدوت جارا للحبيب الشّفيع، ودفين البقيع، مثوى الصّحابة الكرام، ومهبط النّور الذي رسم للعالمين سبل السّلام. فلولا أنك -بإذن الله- قد ذهبت إلى ربّك بقلب سليم وعمل صالح، لما كانت لك هذه الحظوة من فضل الله عليك، فقد كنت تحبّ لقاء الله فأحبّ الله لقاءك، إذ انطلقت من بيتك ملبيّا بعمق وحرارة حتى لكأنك ألهمت بأنك ذاهب إلى دار الخلد، لأن المولى -تبارك وتعالى- نظر إليك بعين الرّحمة لما كابدته في حجّك ذات مرة من خوف وهلع، حتى غامرت بحياتك في تسلق الأسوار، للانفلات من قبضة الحصار(1) فلم يثنك ذلك عن طلب المزيد، والله في تدبيره فعّال لما يريد. وهل نحاول أن نتعزّى ولو بوجود رفاتك في مقبرة الأجداد، وقد أصبح مثواك إلى جوار خير العباد؟. كلاّ، فليس رهطنا أعزّ علينا من الله، وقد اختار لك هذه العقبى وحباك حسن المآب.
فنم قرير العين في رحاب النّور ورفرف الرّضوان. فقد علّمت وأرشدت، وسدّدت وقاربت، وأخلصت في مواقفك ووفيّت، وعشت لأمتك وبلادك، قبل أن تكون لأهلك وأولادك.
(1) - كان ذلك في حجه لسنة 1979م، وقد كان يتعبّد في الحرم عندما حاصره المتمردون واحتلوّه بمن فيه لأيام بقوة السّلاح، فوقعت أحداث دامية بينهم وبين الجيش السّعودي لفكّ الحصار ذهب ضحيتها كثير من الحجاج.