صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٣٥

فيا صالح الذّكر ويا خالد الشّعر، ما كنا نشيم في طلعتك أمارات الموت وأنت في متقلّبك ومثواك تفيض حيوية ونشاطا، وقد وفقك الله فاستكملت مسيرة مسؤوليتك محترما مهيبا، وأردت أن تكمل فترة تقاعدك بحثا وتحقيقا لتغمر بفيض عطائك قريحة الأجيال، وكنت لهم بالأمس نعم المربّي والمرشد وتحمّلت في ذلك الأعباء الثّقال. ولئن طوّحت بك البعاد، وغدوت صدّاحا في مختلف النّوادي، فقد كنت بحق خير سفير للبلاد، تهيم بحبّها في كل واد، وتعلي مجدها بفصيح القول وبليغ الإنشاد، فأصبح الذين يعتقدون أننا صابئون يؤمنون بأننا في أصالتنا راسخون، وبمقوّمات شخصيتنا معتزّون.

فيا سليل المجد والفخار، ويا زين اللّذات والخلاّن، لك في قلوبنا الحبّ الذي لا يفنى، وفي نفوسنا القدر الذي لا يبلى، وفي ربوعنا الذّكر الذي لا ينسى. فإن غبت عنا بجسدك الطّاهر الزّكيّ، فإن روحك الخالدة ترفرف علينا في الغدوّ والآصال، وتذكي أشعارك في نفوسنا نخوة الإباء والشّمم، وترسّخ في ضمائرنا الحسّ الوطني بالمعنى الذي جسّدته على المنابر، بأنك لا تبايع إلا الله والجزائر، ذلك المعنى العميق الذي قال فيه أحد الحكماء: "الوطن مستودع المفاخر، وصوان المآثر، وخزانة الأعلاق والذّخائر. لكل متقن منها موقعه، ولا ينبو بصالح فيها موضعه، صحيفة الأخبار، وكتاب الأبرار، وسجلّ الهمم الكبار، أسماء المحسنين فيه مرفوعة، وأفعالهم مُثل للخلف منصوبة، وحروف بماء الذّهب مكتوبة. فإذا أتت السّنون، ودارت على الرّجال المنون، ولحقت بالمشايع الشّيع، وذهب المتبوع والتّبع، انفتح كتاب الوطن من نفسه، وإذا الحسنات ثمّ على الصّدق محصاة، فلا الحصاة درّة، ولا الدرّة حصاة، وإذا الرّجال يعظّمون إلى الأفعال، وإذا الوقائع قد نحت منها الأبطال، على قدر العمل يأتي الجزاء، وبقدر جمال الأثر يكون الثّناء".

٣٣٥ / ٥٠٤