صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨نعم -أيها الإخوة- إن الحياة صراع وكفاح كما قدّرها خالقها منذ النّشأة الأولى للخليقة يوم شهدت الأرض أول جريمة للقتل بين أخوين شقيقين: قابيل وهابيل، وقد استبدّت بقابيل حمّى الغيرة والحسد لأخيه التّقي الصّالح. وصدق الله مولانا العظيم إذ يقول: ﴿وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الاَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:251). فإذا كانت هذه الحقيقة الوجودية هي سنة الحياة في صراع البقاء، فإن الكيّس العاقل هو الذي يوطّن نفسه على مواجهة الطّوارئ مهما كانت قساوتها ويستعدّ لمدافعتها بكل الإمكانيات المتاحة مهما كانت المتاعب والتّضحيات.
وفي إطار تلك المفاجآت فقد فجعنا اليوم بسقوط هذا الشّابّ الوديع في ميدان الشّرف، إذ ذهب ضحية الغدر والخيانة مع كوكبة من رفاقه، وهم يؤدون واجبهم الوطنيّ بكل وفاء وإخلاص. وما هو بأول شهيد من أبناء هذه البلدة الوديعة قدمتهم قربانا لعزة الوطن وكرامته، ودعناهم بقلوب خاشعة وعيون دامعة، راضين بقضاء الله وقدره، وأديّنا حقوقهم في هذا المصلّى بالذّات، واحتضنت رفاتهم الزكيّ هذه المقبرة التي اشتهرت من قديم الزّمان بأنها: مقبرة الشّهداء، إذ تضمّ في أحشائها عشرات من شهداء الواجب الذين سقطوا دفاعا عن حمى البلد أيام كانت صحراؤنا لا تعرف سلطة الدّولة، ولا تملك حماية إلا ما يكون من التّحالف بين مختلف القبائل والأعراش.
أيها الإخوة المؤمنون، إن الموت دفاعا عن الحمى من أوكد الواجبات التي يجب على المواطنين أن يلقنوها لأبنائهم منذ نعومة أظفارهم في إطار التّربية الدّينية والوطنية امتثالا لقوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالاَخِرَةِ وَمَنْ يُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلَ اَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النّساء:74).