صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩أيها الشّهيد المبرور، ماذا ينتظرك عند الله من الأجر العظيم، وقد ضحيّت بمهجتك لإنقاذ هذا الوطن الجريح من براثين الخوف والرّعب، وانتشاله من مهاوي الغدر والخيانة. فأنت محظوظ عند الله والنّاس، إذ حباك الله هذه الموتة الشّريفة، وأنت ما تزال في ربيع العمر طاهرا نقيّا، لم تدنّسك أوضار الدّنيا ولم تفتنك زخارف الحياة، حتى تزف عريسا مباركا ميمونا إلى الحور المقصورات في رفرف الخلد بجنة النّعيم -بإذن الله- فأين ذلك من نكد الدّنيا ومتاعبها لو قدر الله أن تعيش حتى تموت في فراشك حتف أنفك كما يموت الجبناء. فسيّان طعم الموت حين ينقضي الأجل، ومهما يكن السّبب، ولكن شتان بين نهاية ونهاية إذا حظي الإنسان بحسن القربى عند الله وحسن الذّكر بين النّاس وصدق الشّاعر حين قال:
إذا كنت في أمر مروم … فلا تقنع بما دون النّجوم
فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم
أيها الضّيوف الكرام، أيها المواطنون الأعزاء، إن لكم في هذا الابن البارّ لعبرة ودروسا في الغيرة الوطنية وفي التّضحية والفداء، وإن لكم في حسن خاتمته لتسلية وعزاء، فعظم الله أجركم وأجزل ثوابكم في هذه المشاركة الجماعية التي خفّفت علينا المصاب وهوّنت البلاء.
وأنتم أيها الأولياء المفجوعون في فلذة كبدكم هوّنوا على أنفسكم من الحسرة والأسى، إذ لا مفرّ من حكم الله إذا حُمّ القضاء. فخير لكم من هذا الابن أجره عند الله لكم إذا احتسبتم وصبرتم فإن روحه الطّاهرة سوف تظل مردّدة على مسمع الزّمان بكل نخوة وإباء ما قاله شاعر الثّورة مفدي زكرياء:
وطني بروحي أفتديك ومهجتي … ودمي الشّريف مبرة ووفاء
عهد عليّ مدى الحياة مقدّس … يذكي عروقي نخوة وإباء
وإذا الفتى لم يرع عهد بلاده … فأقم عليه مآتما وعزاء
حسبي فخارا في الحياة بأنني … أغدو على وطني العزيز فداء
ذ
والحمد لله ربّ العالمين.
مؤاساة وعزاء.