صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٤٣أجل!. إن رزءنا فيه عظيم وإن الخطب لجلل إذ كان من خصائصه أنه يتولّى بنفسه تدبير شؤون مشروعاته على كثرتها وضخامتها، ويضطلع بكل دقائقها وخفاياها في صباح ومساء لا يصيبه كلل ولا ملل، ولا يرهقه جهد أو عمل. غير أن لكل أجل كتابا، ولكل رحلة نهاية، ولوجود الإنسان في حكم دين الله هدف وغاية. لقد عرف من دقات قلبه العليل أن الشّمس قد آذنت بالغروب، وأن رحلة العمر أوشكت على نهايتها. وكان يذكر لي في كل مرة أزوره فيها وهو يعاني من إرهاق الشّيخوخة، يذكر لي إذ أواسيه بأن محطة الثّمانين من العمر لا يجد فيها الإنسان إلا الرّهق والضّنا والعجز والعنا، أفلا يقنع الإنسان بما تمتع به في حياته من فتوّة وشباب، ومن زهو وإقبال، ونضارة وجمال؟. ثم يحمد الله حمد الرّضى والقناعة على ما حباه من نعمة وفضل ويرجو منه تعالى جميل العاقبة وحسن المآب.
فهو وإن لم ينس نصيبه من الدّنيا فقد أحسن إلى خلق الله كما أحسن الله إليه، وبنى لله بيتا يرجو أن يكون له نورا يسعى بين يديه، وكم من جريح واساه ومسح ما به من علل، وكم من محروم وجد عنده اليد الحانية والرّفد الكريم. وكل هؤلاء يثنون بالدّعوات الصّالحة له سوف تكون له عند الله خير زاد وذخرا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أيها الإخوة المؤمنون، إذا كان لنا من عبرة في وفاة هذا الشّهم الهمام، فإننا نجد فيه ذلك العصاميّ الطّموح الذي تحدّى الفقر والحرمان، وقارع البغي والطّغيان أيام كان الجزائريّ المسكين مغلوبا على أمره، مقيّدا بالأصفاد، موصدة أمامه كل الأبواب ليس له حول ولا قوّة أمام المستعمر الغشوم الأمر الذي أثار فيه نخوة الإباء والشّمم، فلم يتردّد في استجابة النّداء الوطني يوم دقت طبول الثّورة وتداعي الأحرار إلى التّضحية والفداء. فلبّى داعي الجهاد وتمنّى أن يكون من الشّهداء.