صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٥

ولا يتأتى ذلك للمسيرة الإسلامية إلا أن تجعل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدوتها الحسنة ومثالها الأسمى. وقد عرفت الدّعوة بقيادته الحكيمة فترتين متمايزتين في أوضاعهما، تتطلب كل منهما معطيات خاصّة في التّخطيط ومنهجية في السّلوك.

أولاهما: فترة الإعداد والتّكوين، اهتم فيها رسول الله بتكوين النّخبة من أصحابه الأوائل الخلّص الذين هم بمنزلة الرّكائز والأركان الني ينهض عليها بناء الصّرح الإسلامي بكلّ مقوّماته الأساسية التي جاء بها الدّين الجديد ليطبقها في واقع النّاس.

وهذا الجيل المتميّز من الرّعيل الأوّل لم يكن بمنجاة عن البيئة الجاهلية تأثرا وتأثيرا يختلف عمقها من شخص إلى آخر حسب طور سنّه ومركزه الاجتماعي. ولكن رسول الله استطاع بعظيم أخلاقه وحسن تربيته أن يجعل من هؤلاء الأفذاذ قمما لا تدانى في الإخلاص والوفاء والتّضحية بكل ما يملكون لنصرة الدّعوة الجديدة والتّمكين لها. وتنتظم هذه الفترة ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة، عرف فيها الرّسول وأصحابه ألوانا من المضايقات والتّحدّيات، وتحملّوا فيها ضروبا من الدّسائس والمكايد بصبر وثبات. ولم يكن المولى تبارك وتعالى قد أذن لهم بالانتصار لأنفسهم فقال جلّ من قائل: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (النّساء:77).

٣٥ / ٥٠٤