صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٦وإذا تدبّرنا سور القرآن التي نزلت في هذه الفترة فإننا نجدها تركّز على غرس العقيدة الصّحيحة في النّفوس بكلّ مبادئها وأسسها من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتدعو إلى إحسان الصّلة بالخالق العظيم بإقام الصّلاة والإحسان إلى خلق الله بالصّدقة والزّكاة دونما تفصيل في الأحكام أو تقنين للأنظمة. حتى إذا اكتملت العدة الرّوحية وقد صهرتها المحن ومحصتها الشّدائد، وأصبح الرّجل منهم في قيمته المعنوية بعشرة رجال، أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة المنوّرة، وقد قدّر أن تكون محضنا للدّولة الإسلامية النّاشئة، فقال جلّ من قائل: ﴿اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللهُ﴾ (الحج:39 - 40).
وبذلك انتقل الرّسول وأصحابه إلى الفترة الثّانية، وهي مرحلة التّغيير وبناء الدّولة الإسلامية التي ينمو بين أحضانها المجتمع المسلم بكلّ مقوّماته التي تتركز على أنّ الحاكمية لله وحده، وأنّ الحكم لا ينبني إلا على شرعة العدل وتوجيهاته الحكيمة. تلكم أيها المؤمنون هي الخطوط العريضة لمسار الدّعوة الإسلامية في مرحلتها الإعدادية والتّغييرية.
فإذا ما جئنا لنقارن وضعية الأمة الإسلامية اليوم بذلكم الماضي المثالي المجيد، فإننا نجد طبيعة الصّراع لا تختلف كثيرا، بناء على المقولة المعروفة "التّاريخ يعيد نفسه"، فأعداء الأمس هم أعداء اليوم مع تطوير الأساليب وفخامة الإمكانيات، وتوجيهات القرآن تحذّرنا من الاغترار والتّهاون فيقول تعالى في كثير من السّور المدنية موّجها ومحذّرا:
أ- ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمُ إِنِ اِسْتَطَاعُواْ﴾ (البقرة:217).