صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢أيها الرّاحل الكريم، لا شك أنك في حسن مآبك إلى الله، وفي شرف مقامك، مع النّبيئين والصّديقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا، ونحن نشهد لك أنك عشت للخير والصّلاح والتّقوى. وعملت لإعلاء كلمة الله وتعظيم شعائره. وكنت مخموم القلب في معاملة رفاقك، كريم النّفس في نظرتك إلى جمهور المؤمنين، وأنت إمامهم في صلاتهم، تدعو الله في خشوع وبكاء فيؤمّنون، وتدعوهم إلى الخيرات فيستجيبون، كما استجبت أنت هيوبا لرفاقك في الحلقة منذ نصف قرن لتساعدهم في حمل أمانة الدّين، فبرهنت بسيرتك العطرة على أنك في مستوى الاختيار، فلا عجب في ذلك وأنت سليل المكرمات، راسخ القدم على درب الصّالحات.
لقد شاءت حكمة الله أن تفضّلت علي بزيارتك شخصيا في أيام مرض فنعمت بطلعتك وسعدت بلقياك، إذ تحدثت إليّ مليّا في مراجعة بعض الذّكريات السّعيدة، وما كنت أدري حينها أنها زيارة مودّع كريم لرفيق وفيّ يغالب المرض ويعاني من الانكماش والعزلة، لقد أحييت في نفسي الأمل، وأنا أقلب النّظر في جسمك الواهي وقد أخنت عليه السّنون، ولكنه يحمل نفسا مطمئنة وقلبا كبيرا، زادهما اليقين بالله وإجلال عظمته قوّة وصلابة، فاستقللت ما أنا فيه من المعاناة وكان لي من ذلك اللّقاء درس بليغ. وها أنت أسلمت الرّوح إلى باريها طيّبة سعيدة ترجو لقاء الله ومغفرته ورضوانه، فنم قرير العين إلى جوار ربّك منعّما بالرّوح والرّيحان.