صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٥٤

فيا أيها الإخوة المؤمنون، إنه من لطف الله بهذه الجموع الحاشدة المفجوعة بوفاة إمامنا المفدّى الشّيخ شريفي سعيد بن بالحاج "الشّيخ عدّون" إنه من لطف الله بها أن تتداعى لمواجهة هذا الخطب الجلل وهي متحصّنة بخلق الصّبر الذي تنمّيه عبادة الصّوم، وليس من العفوية في إرادة الله وقدره جلّ وعلا أن يوقت له هذا اليوم المبارك من شهر رمضان المعظم يوم الفتح والنصر، لأن ذلك أدعى أن يكون للمؤمنين فتحا للأمل والرّضى بقضاء الله، ونصرا على اليأس والقنوط والاستسلام لغوائل الحزن والأسى.

أجل إن للموت لصدمة في نفوسنا، وإن لفقدان الأحبّة لهزّة في قلوبنا.

ولا ينبيك عن خلق اللّيالي … كمن فقد الأحبّة والصّحابا

وقد فارق النّاس الأحبة قبلنا … وأعيا دواء الموت كلّ طبيب

وإنما الصّبر عند الصّدمة الأولى كما قال رسول الله، فنحن وإن عظم الخطب وأشتدّ الرّزء بفقدان إمامنا فقد رضينا بقضاء الله. فلا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، نقول كما قال رسول الله في ولده إبراهيم: «إن القلب ليخشع وإن العين لتدمع، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون»(1).

لقد كان الفقيد -رحمه الله- إمامنا وقدوتنا في الصّبر عند الملمّات، يشدّ من أزرنا ويقوّي عزيمتنا ويسدّد خطانا على نهج الصّالحات، وهو المرشد الأريب، والمربّي الخبيب، يشق بنا الطريق ويضع عليها المعالم وقد برّح به السّير حتى أدمى قدميه، فما ألقى عصا التّرحال، إلا عند محطّة الآجال، وها هو موته اليوم أوعظ لنا من حياته، إذ كتب الله لنا أن نكون من نعاته، ونحن نتمثل بنعي "أبي الماضي" لأحد عظماء بلاده "لبنان" إذ يقول:

ليس عمر الفتى وإن طال إلا … ما حوته الحياة من مكرماته

يعظ النّابغ الخلائق حيّا … إنما موته أجلّ عظاته

ما بكينا الرفات لمّا بكينا … كم رفات في الأرض مثل رفاته

بل بكينا لأننا قد حرمنا … بالمنون المزيد من ءاياته

(1) - تقدم تخريجه: ص 272.

٣٥٤ / ٥٠٤