صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨لقد كان -رحمه الله- عصاميا في تكوينه العلمّي والثّقافيّ. طالبا أمام شيوخه الأجلاء، ورائدا لأقرانه وعشرائه في البعثة، وقدوة في الإخلاص والوفاء. ثم غدا أستاذا ومديرا مثاليا في تربية الأجيال، وإماما قديرا عرف كيف يزجي صفوف المؤمنين على صراط الله السّويّ بالصّادق الطّيّب من الأقوال وبالصّالح الخيّر من الأفعال، ومع هذا وذاك كان -رحمه الله- يؤمّن للمسيرة الإصلاحية مستقبلها بإعداد الخلائف وتكوين الصّفوة من الرّجال، ضمانا للاستمرارية والدّوام، وحفاظا على مقوّمات هذا المجتمع الفاضل أن تزلّ به الأقدام، أو تطيش بأهله الأحلام.
ذلكم -أيها الإخوة الكرام- هو هذا الذي جئنا لنحمل جثمانه الطّاهر على أكتافنا، ونودّعه لمثواه الأخير بقلوب خاشعة وعيون دامعة، ولا نقول إلا ما يرض الله: ﴿إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156). ونحن نتمثل بقول الشّاعر:
ما كنت أحسب قبل موتك أن أرى … "رُضوى" على أيدي الرّجال يسير
فطيّب الله ثراه وأكرم مثواه.
أيها الإخوة الكرام، إننا لا ننازع الله في حكمه وقضائه، فله الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرّضى، ونحن نؤمن بأن النّفس لا تموت إلا بعد أن تستوفي أجلها ورزقها وكلّ ما قدّر الله لها في حياتها ونتعزّى بقوله تعالى لرسوله:
أ) - ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزّمر:31 - 30).
ب) - وقوله: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:34 - 35).
هي الدّار ما الآمال إلا ودائع … عليها، وما اللّذات إلا مصائب
فلا تكتحل عيناك عنها بعَبرة … على ذاهب منها، فإنك ذاهب