صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩فالكلّ يؤمن بالموت، ويحسّ بالصّدمة عند فقدان الأحباء، ولكن القليل منا من يعتبر بتقلب اللّيل والنّهار، أو يؤمن بزوال الآمال وتقلّص الأعمار، وإلاّ فما السّرّ في هذا التّطاول والغرور؟ وما الدّافع لذلك التمرّد والنّفور؟. فعلى رسلك أيهذا المفتون، فكم من متودّد إليك، وهو يتربّص بك ريب المنون، وتأمل معي هذا الكلام الحكيم، لتعرف حقيقة وجودك، ومَا موقعك من الخالق وكونه العظيم.
كم قبل هذا الجيل ولّى جيلُ! … ... هيهات ليس إلى البقاء سبيل
ضحك الشّباب من الكهول فأغرقوا … واستيقظوا فإذا الشّباب كهول
نأتي ونمضي والزّمان مخلّد … الصّبح صبح والأصيل أصيل
حرّ وقرّ يبليان جسومنا … ليت الزّمان كما نحول يحول
إن التّحوّل في الجماد تقلّص … في الحيّ موت، في النّبات ذبول
قف بالمقابر صامتا متأملّا … كم غاب فيها صامت وسؤول
وسل الكواكب كم رأت من قبلنا … أمما، وكم شهد النّجوم قبيل
تتبدّل الدّنيا تبدّل أهلها … والله ليس لأمره تبديل
لم يعشق النّاس الفناء وإنما … فوق البصائر والعقول سدول
أيها الإخوة المؤمنون، ويا أبناء الفقيد الأعزاء، ويا طلابه الأوفياء ورفاقه الأجلاء، ويا من عرفه من قريب أو بعيد، لا تحزنوا عليه، فإنّ له بين يديه من النّور والرّضوان -بإذن الله- خير له مما ترك وراءه من الأهل والخلاّن، ولا تبكوه فإنه في جوار ربّه قرير العين مطمئن النّفس راضيا مرضيا عنه في رفرف الخلد وجنة النّعيم.
وخير ما نمتعه به في روضة مرقده أن نبقى أوفياء لعهده، منفذين لوصاياه، حافظين لتراثه، مخلّدين لذكراه على فم الأزمان والأجيال رمزا للإصلاح، وإماما للخير والتّقى والصّلاح، سدّد الله خطانا، وألهمنا الرّشد والسّداد. ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف:126).