صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٦١

فيا أيها المجمع الكريم، في هذه البلدة الطّيّبة التي لها في حنايا صدورنا الحبّ الذي لا يبلى، وفي أغوار نفوسنا الذّكريات التي لا تنسى، فكم من زميل لنا في حلقات الدّرس لا نخيس بعهده مهما امتدّت الأيام وشطّ به المزار، وكم من رفيق زانت به الصّحبة، وتوّطدت به المحبّة والألفة، وازدانت به مسيرتنا على درب المعرفة والتحصيل انتهى به أجله فتوارى عن الرّكب وبكاه الرّفاق، وتجرعوا بوفاته مرارة الفراق، وفقيدنا المرحوم تعموت إبراهيم بن أحمد هو من أولئك الأحبة الأعزاء ممن افتقدناهم ونحن نودّ لهم طول البقاء، ولكن الله يقضي في خلقه بما يشاء.

لقد عاش -رحمه الله- في الظّل قنوعا بما قسم الله له طيّب النّفس مخموم القلب، يخلص الودّ لرفاقه مهما ابتسمت لبعضهم فتنة الدّنيا فاغتروا لبسمتها في غباوة وعجرفة، وتحمّل عبء الأجيال تعليما وتثقيفا فلم يتعالم بشهادات حصل عليها، ولم يتعاظم برهطه وهو يشق طريقه في الحياة معتمدا على نفسه وعلى مولاه، راضيا بما قسم له وأعطاه. وإني لا أجد في تأبينه أروع مما قاله الشّاعر "إيليا أبي الماضي" في رفيق له يرثيه إلا أن أستبدل لفظ "لبنان" بميزاب في قوله:

ميزاب هذا من رياضك زهرة … ذهبت كأنْ في الأرض لم تتضوّع

ميزاب هذا من سمائك كوكب … غرّبته حتى انطوى في بلقع

ميزاب هذا من مروجك قطعة … فيه بشاشة كل مرج ممرع

قل للبنفسج في سفوحك والرّبى … ولّى شبيهك في الوداعة فاخشع

وامر طيورك أن تنوح على فتى … قد كان يهواها وإن لم تسجع

قد عاش مثلك للمروءة والعلى … متعفّفا كالزّاهد المتورّع

مترفّعا في قوله وفعاله … غرى وهوى ولم يترفّع

٣٦١ / ٥٠٤