صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٦٤

فقد يوطّن المؤمن نفسه على مواجهة المكاره وتحمّل الشّدائد مستعينا بالله راضيا بقضائه، فتهون المصيبة بعد الصّدمة الأولى، ثم تأخذ الحياة مجراها بكل ألوانها وأطيافها غير أن بعض المصائب أهون من بعض، وللنفس البشرية عزيمة وخور، وقوّة وضعف وفق ما تنطوي عليه من حبّ أو كره، ومن رضى أو سخط، والحبيب إلى النّفس مهما قسا وتمنّع، أو وصل وقطع، فإنه لا يفقد موقعه في حنايا الصّدر، ولا يملّ وجوده أبد الدّهر، ومن لك بمتعة الحياة في غياب الحبيب والصّاحب؟ وما إنسانيتك إن تخليت في حقهما عن الواجب؟.

ولا ينبيك عن خلق اللّيالي … كمن فقد الأحبة والصّحابا

نعم -أيها الإخوة المؤمنون-، لقد فقدنا اليوم أعزّ رفيق ورزئنا في أكرم صديق. إنه أستاذنا ورفيقنا الكريم السّيد الحاج إسماعيل طالب يحي بن الحاج إبراهيم. هذا الرّجل العصاميّ الفذّ الذي ملأ الآفاق برّا وإحسانا، وغمر هذه الرّبوع الطيّبة حبّا وحنانا، يغذّيها بذوب مهجته، ويسقيها بدمه وعرقه لتتأصّل جذور دوحتها في أرضها المعطاء وتتفرع أغصانها في جوّ السّماء، فقد سعدت به غلاما يافعا، وصحبته شابا طموحًا واسترشدت به كهلا لبيبا، وتبركت به شيخا كبيرا. وها هي اليوم تحتضن رفاته زكيا طاهرا. فنحن وإن كنا نؤمن بسنة الحياة، ونصدق قول ربنا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت:57). إلا أننا لا نستطيع كبت مشاعرنا بأزاء هذا المصاب الجلل، ولا حبس دموعنا أن نضمّخ خدودنا بالبلل، فما نحن إلا بشر نغضب ونرضى، ونحزن ونسرّ.

فدعوني أيها الإخوة أن أسرّي على نفسي بما أنشده أمير الشّعراء في تأبين زعيم مصر الخالد مصطفى كامل إذ يقول:

يا خادم الإسلام أجر مجاهد … في الله من خلد ومن رضوان

يا طاهر الغدوات والرّوحات … والخطرات والأسرار والإعلان

هل قام قبلك في المدائن فاتحا … غازٍ بغير مهنّد وسنان

يدعو إلى العلم الشّريف وعنده … أن العلوم دعائم العمران

٣٦٤ / ٥٠٤