صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦أيها المؤمنون، إننا لنكبر فيكم هذه المشاعر الفياضة، وقد تجشمتم الصّعاب، لتخففوا عنا وطأة المصاب، ولا يدفعكم إلى ذلك منفعة ذاتية ولا مغنم عاجل تعودون به إلى رحالكم إلا عظيم الأجر عند الله، بهذه المؤاساة الصّادقة لإخوة لكم انفرطت من عقدهم هذه الدّرة الغالية، ولبلدة طيّبة تكلى في فلذة كبدها مفجوعة باكية.
فجازاكم الله عنا أحسن الجزاء، ولكم منا جزيل الشّكر والثّناء، تغمّد الله فقيدنا برحماته الواسعة وأسكنه فسيح جنانه في روح وريحان، وفي حظائر الخلد والرّضوان. ﴿إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156). ﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف:126).
ولكم -أيها الأحباء- بورك في أعماركم، لكم أن تسألوا ما سرّ هذا الإقبال الجماهيري لوداع هذا الأخ الكريم؟، وما الذي جعل تلك القلوب الولهى تهفو إلى حضور جنازته، وهو كما نعرفه مواطن بسيط، لا تحيط به هالة من مال أو حظوة أو جاه، بل عاش للجهاد الأكبر ينافح عن الدّين والفضيلة، ويتودّد إلى الفقراء والمساكين ويتعهّد تلاميذه بحشاشة مهجته وعقله، وسعى للخير والصّلاح حيثما حلّ وارتحل، ويدلي بدلوه في كل مكرمة، يصدق فيه قول طرفة بن العبد:
إذا قيل يوما من فتى؟؟ خلت أنني … عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد
فيا إخوتنا ويا شباب الجزائر، هكذا كونوا أولا تكونوا.
لقد توارى عنا فقيدنا بجثمانه، ولكنه سيبقى مخلّدا في ذاكرة الأجيال وذاكرة التّاريخ رمزا للإخلاص والوفاء، ومثالا للتّضحية والفداء. وما الثّمانون التي قطعها من عمره إلا رزمة من المآثر والمفاخر، وذخيرة من المبرات والمكرمات.
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها … فالذّكر للإنسان عمر ثان
واصبر على نعم الحياة وبؤسها … نعم الحياة وبؤسها سيّان
وصدق رسول الله إذ قال: «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله»(1).
(1) - تقدم تخريجه: ص 254.