صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٦٨

فأيّنا -أيها الإخوة- إذا زار القرارة أو قصد عمنا الحاج عمر بن بكير بن الحاج مسعود لا يجده مرابطا في ورشة يراقب أشغالها وينسّق مراحل إنجازها؟. وهو لا يكاد تحمله رجلاه بما أخنت عليه السّنون وتألبت عليه الأدواء. فها هي تلكم المؤسسات الخيرية من مساجد وغيرها عالية الأركان شامخة البنيان في كل أرجاء البلدة تشهد له بالخير والفضل، وتبقى له عنوان فخر واعتزاز على مرّ العصور والأجيال.

لقد كان رحمه الله نشاطا مثمرا وحركة دائبة في مسيرة عمره الطّويلة وهو يناهز القرن حتى لكأن أطوار الشّباب والكهولة والشّيخوخة تساوت عنده، فهو يكيّفها ويطوّعها لعزيمته وإرادته، فلا عجز ولا خمول، ولا فتور ولا وهن. ذلك لأن الإنسان رهين بقوته وبدوافعه النّفسية، والله لا يضيع أجر المحسنين، وهو يتولّى بالعون والتّوفيق عباده الصّالحين.

فإذا كان رسول الله قد وعد بقصر في الجنة لمن بنى لله مسجدا على قدر مفحص قطاة، فكم قصرا ينتظر فقيدنا في رفرف الخلد؟. وهذه بيوت الله في هذه البلدة الطّيّبة تشهد له بالجهد المضني والعمل الدّؤوب، فلا ينتهي من أحدها تشييدا وإعمارا حتى يقبل على آخر رفعا لقواعده وتركيزا لأركانه، فهل في أجيالنا الحاضرة من يصلح خلفا لهذا الرّجل الفذ، أم أن الوهن والضعف قد دبّ في أوصالنا فلم تعد الأرحام تنجب أمثاله؟. اللّهم إننا لا نيأس من روحك ولا نقنط من رحمتك فامنن علينا بالخلائف الصّالحة التي تصون حماك وتعمل لما فيه رضاك، وما الحياة الدّنيا إلا محكّ للقدرات والمواهب، ومجال للربح أو الخسارة يقول عنها أمير الشّعراء:

للمرء في الدّنيا وجمّ شؤونها … ما يشاء من ربح ومن خسران

فهي الفضاء لراغب متطلّع … وهي المضيق لمؤثر السّلوان

٣٦٨ / ٥٠٤