صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٧٠

والله جلّ شأنه ينبهنا لهذه الحقيقة ويقول: ﴿يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ اِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾ (الانشقاق:06).

ولكننا -وإن كنا نؤمن بهذه الحقيقة- فإننا نغفل وننسى، ومن فضل الله علينا أنه يذكرنا بصروف أقداره وهو اللطيف لما يشاء، وهو العليم الحكيم.

لقد فاجأنا القدر بوفاة أخ عزيز علينا بما حباه الله به من العلم والفضل ومن التقى والورع، وقف حياته للدعوة إلى الله تعليما وتربية للناشئة ووعظا وإرشادا لجماهير المسلمين في حكمة وأناة، وإفتاء لما يعترضهم من المشكلات. لا تغويه مفاتن الدنيا ولا يستهويه مدح ولا ثناء، إنه شيخنا الوقور ورفيقنا الودود السيد الحاج الناصر بن محمد مرموري.

فأي رزء أصيب به مجتمعنا الفاضل؟. وأي ثغر انكشف في تحصينات الأمة الإسلامية؟. إنه قضاء الله، وليس لنا إلا الرضى بقضائه، وليس أعز علينا من وجهه الكريم، ففي كنفه الأمن والطمأنينة، وفي جواره تهدأ النفوس الحزينة، وحسبنا عزاء أن تتوافد هذه الحشود العظيمة لتشييع جنازته لتستنزل عليه الرحمات وترجو له من الله حسن اللقاء ورفيع الدرجات.

علوّ في الحياة وفي الممات … لحق أنت إحدى المعجزات

فمن منا -أيها الإخوة- لم يتبرك بطلعته وهو لا يتوانى عن مشاركة إخوانه في السّراء والضراء؟. ومن منا لا يلين قلبه لنصحه وإرشاده، وهو يستمدّ بآية من أنوار التنزيل ويقيم دعوته على نهج الله وهدي الرسول. ويجسّد بأخلاقه وسلوكه النموذج الأمثل للسلف الصالح في اتزان واعتدال.

ولم يقصر جهاده على القرارة وحدها -وهي أحق بجهده ومسعاه-، بل طاف في طول البلاد وعرضها يحكم الروابط ويقيم علاقات الأخوّة في الله وحسن التناصر في الدين. ويمدّ جسور المودة والإخاء بين المشرق والمغرب. لا تثنيه عن ذلك وعثاء الطريق، وهو اللبيب الحاذق في الموازنة بين الواجبات والحقوق.

٣٧٠ / ٥٠٤