صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢فيا أيها الإخوة المؤمنون، لقد أعتدنا أن نجيء إلى مصلّى الجنائز من حين إلى آخر كلما فاجأنا القدر في أحد أقربائنا وأحبائنا، ونحن لا نملك أن نوقف نشاط الحياة ولا أن نغيّر من سننها شيئا، وسواء علينا أجزعنا أم صبرنا ممّا يفجعنا به القدر فإن الله يقضي ولا معقب لحكمه، غير أن القليل منا من يتعظ بالموت وإن طرق بابه واقتحم حماه، ذلك لشدة حرصنا على الحياة وطول آمالنا في زينة الدّنيا ومتاعها، حتى غدا من أساليب اللّياقة وحقوق العشرة والصّداقة أن يتمنى أحدنا لأخيه المسلم الصّحة وطول العمر، وقد نغفل عن تمنّي الهداية والتّوفيق مع حسن الخاتمة وجميل العاقبة، والله ربنا خالق الموت والحياة، يحصر الغاية والقصد من ذلك في اختيارنا لجنس العمل بعد الابتلاء والاختبار، وهذا رسول الله يقرّر الفوز أو الخسران في طول العمر بنوعية العمل فيه بالحسنى أو السّوأى فقال - صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، وويل لمن طال عمره وساء عمله»(1).
وها نحن أمام نموذجين رائعين ممن وفّقهما الله لحسن العمل ومتعهما بحسن الخاتمة وجميل العاقبة، فبالأمس ودعنا كوكبا من خيرة شبابنا جدّية وطموحًا وصبرًا وتحمّلا ودماثة أخلاق وحسن سلوك، وهو الدّكتور ابن أيوب محمد بن الحاج بكير، اختطفته يد المنون واستلّ من أقرانه ولداته كما تستملّ المقلة من الأشفار، وأيّنا لم يفاجأ بموته، ولم يعجب بإنجازاته على قصر عمره ومغالبته للمرض والوهن.
(1) - تقدم تخريجه: ص 254.