صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٧٣واليوم جئنا لنحمل على أكتافنا جبلا شامخا امتدت به السّنون وناوشته تقلبات الأيام، فكرّس حياته لخدمة بيت الله، بإعلاء صوت الحق نداء للصلاة خمس مرات في اليوم، لا يثنيه حرّ ولا برد، ولا يقصّر في أداء واجبه لما يقرب من أربعين سنة، وماذا عسانا نرجوه للمؤذّن بأكثر مما بشره به رسول الله لدنياه وآخرته، من شهادة كل من يبلغه صوته بالخير والدّعاء له في الدنيا، وبحشره على كثبان المسك في الأخرى، إنه رفيق الدّرب عمنا السّيد عبد العزيز الحاج مسعود بن محمد، ركيزة المسجد العتيق وسادن مئذنته في إخلاص ووفاء، يصدق فيه حديث السّبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل تعلّق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه»(1). فهو إلى آخر اللّحظات التي شعر فيها بالوهن والإعياء وأمّ أولاده تحاوله أن يرتاح فيجيبها: دعيني أموت في المسجد. ولم يلبث بعدها حتى لبّى نداء ربه، فرحم الله تلك الأبدان وأسكنها فسيج الجنان.
وأنتم -أيها الإخوة الأكارم- من أعضاء حلقات العزابة وغيرهم من الضّيوف الكرام، لقد خففتم عنا وطأة المصاب بمشاركتكم المخلصة، وقاسمتمونا أحزاننا فأحسسنا بحرارة المؤاساة وصدق العزاء. فجازاكم الله عنا خيرا، وبارك مسعاكم وبوّأكم من الجنة منزلا، ولا أراكم مكروها في عزيز لديكم، وحفظكم الله في حلكم وترحالكم، وألهمنا جميعًا الصّبر والسّلوان، وحبا فقيدنا المغفرة والرّضوان.
البلبل الغرّيد يغيب عن الوجود.
ونحن في غمرة الفرح في مهرجان ختم تفسير القرآن بالمسجد العتيق ببلدة الطف، إذ نُعي إلينا الأستاذ الفاضل الحاج صالح بن ابراهيم باجو، أي ليوم 22 جمادى الثانية 1436 ه، الموافق ليوم 11 أفريل 2015، فلم يقدّر أن نحضر جنازته، وبعد حوالي أسبوع أقام له معهد الحياة حفل تأبين فبعثت بهذه الكلمات ألقاها نيابة عنّي الأستاذ الشاعر الحاج عيسى الحاج صالح، إذ قلت فيها.
(1) - تقدم تخريجه: ص 277.