صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٧٧أجل أيها الإخوة الكرام، ما نراكم في إقبال نفوسكم وإشراقة أرواحكم، وابتسامات وجوهكم في هذا اللّقاء السعيد، إلا وقد تحقق فيكم -بفضل الله- هذا الوصف الإلهي الكريم، إذ لبّيتم دعوتنا وجئتم إلى المكان الطاهر، وليس يدفعكم إلى ذلك إلا الأخوّة في الله والوفاء للصحبة؛ والإخلاص حاديكم، ورضى الله أقصى أمانيكم، فما جئتم لمتاع من الدنيا قد استهواكم فينا، ولا لجاه أو حظوة تطلبونها لدينا، وتلك- لعمري- هي العروة التي لا تنفصم، والصلة التي هي أبقى من وشيجة الرحم، لأنّه ما كان لله دام واتّصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. ولذا فإني لا أقارضكم ثناء بثناء، لأن ذلك يفسد ما في النفوس من الإخلاص والوفاء. ولكنّي أقول مع الصديق - رضي الله عنه -: "اللّهمّ اجعلني فوق ما يظنّون، واغفر لي مالا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". ولا يسعني إلا أن أصافيكم بخالص الدعاء، وأرفع أكف الضراعة إلى رب العزّة والكبرياء، أن يجعل جمعنا جمعا مباركا مرحوما، وتفرّقنا تفرقا مباركا معصوما، وأن يؤلّف قلوبنا على الإيمان، ويجمع صفوفنا على هدي القرآن، وأن يحفظنا من المصائب والفتن، ويجبّنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
أيها الإخوة الأعزّاء: دعوني أردّد مع الصاحب بن عبّاد هذه الأبيات التي أراها تشخّص هذه اللّحظات السعيدة إذ يقول:
هذي المكارم والعلياء تفتخر … بيوم مأثرة ساعاته غرر
يوم تبسّم عنه الدّهر واجتمعت … له السّعود وأغضت دونه الغير
حتى كأنا نرى في كل ملتفت … روضا تفتّح في أثنائه الزّهر
لما تجلّى عن الآمال مشرقة … قال العلا بك أستعلي وأقتدر
وافي على غير ميعاد يبشّرنا … بأن ستتبعه أمثاله الأخر
أهنى المسرات ما جاءت مفاجأة … وما تناجي بها الألفاظ والفكر
لو أن بشرى لقتها بموردها … لأقبلت نحوها الأرواح تبتدر