صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٣٨١

حمدا لله الغني الحميد، يدبّر الأمر كيف يشاء وهو الرّحيم الودود. ونصلّي ونسلّم على سيّدنا محمد خير من هاجر من موطنه وهو لديه أحبّ ما في الوجود، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم مشهود، أما بعد:

فيا أيها الإخوة الكرام، ويا أستاذنا الفاضل، السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما … يظنان كل الظّنّ أن لا تلاقيا

ولله الأمر من قبل ومن بعد، نحمده على كل حال، عليه نتوكّل وإليه المآل. فمن منا كان يتوقع هذه الفرصة السّعيدة التي جمع الله فيها الأحبّة بعد طول فراق وضعف رجاء؟. ومن منا لا يجد في نفسه تلك الحلاوة التي أمعن في تعتيقها طول النّوى والهيام بالحبيب؟. تلك الحلاوة التي صورها البحتري بحسّه الرّهيف حين قال:

ولو عرف النّاس اللّقاء وحسنه … لحبّب من أجل اللّقاء التّفرّق

أجل -أيها الحبيب الوفيّ- ما كان بعدك عنا قسرا لينسينا يومًا مقامك فينا طفلا تجلّله البراءة والطّهر والصّفاء، فغلاما يافعا تميّزه شارات الفطنة والذّكاء، فشابًّا طموحًا متحفزّا لبلوغ أعلى المراتب في مصافّ الخالدين النّبهاء. وما كان الجاحد الحسود لينقص من مقامك فينا أديبا رائدا في بلاغة التّعبير ودقة التّصوير، وحرّية التّفكير، وعالما جليلا هو سليل القطب في غزارة علمه وسعة أفقه، وسعيه الدّؤوب في النّقد والتّمحيص، والأخذ بالمنهجية العلمية البعيدة عن الهوى والانفعال.

ولئن طوحت بك البعاد، واضطرّك الدّهر إلى مفارقة الأهل والأوطان، فإن في تاريخ أشباهك من النّابهين لخير سلوى لقلبك الحزين، وأنت هناك من حين إلى حين، تناوشك الأشواق ويهفو بك الحنين، ومولانا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216).

٣٨١ / ٥٠٤