صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٩٣فيا أيها الإخوة المؤمنون، يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْعَصْرِ، إِنَّ الاِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، اِلاَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (1 - 3).
لقد أقسم الله تعالى بالعصر، وأيّا كان اختلاف المفسّرين في المعنى المقصود بالعصر، فإن من المعاني التي تدلّ عليها هذه الكلمة هذا الزّمن الممتدّ من بدء الخليقة إلى نهايتها وهو يلفّ في طيّاته تاريخ البشرية كلها، وتتعاقب فيه الأجيال مسرعة إلى نهايتها، وفق الآجال التي قدّرها الله لها. فلينظر الإنسان حيّز عمره من هذا الزّمن المتطاول ماذا عساه يترك فيه من مآثر تخلّده، ومن أعمال صالحة يثبت بها وجوده على هذه الأرض التي نبت منها واستخلفه المولى عليها لاستدرار خيراتها وعمارتها، وإلا فقد حكم الله عليه بالخسران ما لم يتزوّد في رحلة عمره بالإيمان الصّحيح الذي ينعكس على سلوكه عملاً صالحًا وخلقًا قويمًا في حياته الشّخصية، وتعاونًا وتكاملاً مع بني جنسه في حياته الاجتماعية لنشر الخير والبرّ والإحسان، ونصرة الحق والعدل وفق ما شرعه الرّحمن. وليس للإنسان بهذه التّربية المثلى سوى منهج الله في ما شرعه من الأحكام، على ألسنة رسله الكرام.
فرسولنا الأعظم -وهو يؤدي مهمته الشّاقة في التّبليغ والنّصح والإرشاد- لم يترك لنا في مجال الدّعوة غير هذه البيوت التي أسّست من أول يوم على تقوى من الله ورضوان. ففي رحابها دوّت آيات الله مجلجلة ساطعة تشق غياهيب الظّلام من الجهل والخرافات والأوهام. وتسقي حياض النّفوس فتملأها حبّا ومرحمة بعد تنافر وخصام. وعلى منابرها دوّى صوت الحق يحدو بالمؤمنين إلى سبل السّلام. وبين عرصاتها تراصّت صفوفهم واتحدت وجهتهم لإعلاء كلمة الله، ومن ساحاتها وأفنيتها انعقدت ألويتهم لمحاربة أعداء الله.