صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٩٤تلكم -أيها المؤمنون- هي الوسيلة النّاجعة والمنهجية الفضلى التي ربّى بها رسول الله أصحابه، وهذا هو الميراث الخالد الذي تركه لأمته، يقف شامخا صامدا أمام كل التّحديات قديمًا وحديثًا، يستخفّ بالأنواء ويهزأ بالأعاصير. وحسبك من بيوت هي لله وحده وهو راعيها وحاميها!. وأيّما سعي يحاول فيه الإنسان الحطّ من كرامتها وقدسيتها فإن مصيره إلى الخيبة والخسران. يقول تعالى: ﴿وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُّذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَآ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمُ أَنْ يَّدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة:114).
فما أروع منظر المؤمنين، يسرعون خطوهم متسابقين إلى بيوت الله، وقد سمعوا نداء الحق -الله أكبر- فتصغر الدّنيا أمام أبصارهم بكل ما تحمله من زينة ومتاع، إذ يركضون إلى حيث السّكينة والوقار في جوار الرّحمن، بقلوب خاشعة وألسنة ذاكرة، ولا يجد الشّيطان منفذا إلى نفوسهم، وهو يقف مدحورا خلف جدران بيوت الله. فلنستمع إليه تعالى يشهد للمؤمنين بهذه المنّة إذ يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَّكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التّوبة:18).
وهذا رسول الله في تصويره البليغ يرفع منزلة عمّار بيوت الله إلى منزلة المجاهدين المرابطين في ثغور الإسلام إذ يقول: «ألا أنبئنّكم بما يحطّ الخطايا ويرفع الدّرجات. قالوا: بلى يا رسول الله فقال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة. فذلكم الرّباط. قالها ثلاثا»(1).
(1) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، حديث 241: 1/ 219.