صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٩٨نعم! قد ينسى النّاس فينتكسون إذا طال بهم الأمد؛ وقد يغشاهم الكفر والفسوق والعصيان، فيعيشون في شقاء ونكد. ولكن نور الله لا تطفئه الأفواه مهما كثرت، ومصادر طاقاته لا تنفكّ عن الأمداد مهما فترت. وما مصادر هذه الطّاقة الرّبّانية إلا بيوت الله في أرضه تشعّ أنوارها كالنّجوم تبدّد الظّلمات، وتنشر الحياة وهي تغالب جراثيم الفساد وتطهّر العفونات، وتجمع الشّمل وتلمّ الشّتات. وحسبكم من بيوت هي لله الواحد القهار، أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه ما دامت الأرض والسّماوات واختلاف اللّيل والنّهار. تنبعث من مآذنها كلمة الحق -الله أكبر- فتهزّ القلوب وتشحذ العزائم، وتزجي صفوف المؤمنين لاستجابة النّداء فلا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولا يستهويهم مال ولا ولد مهما كان حبّهم إياه، لأن الذين ءامنوا أشدّ حبّا لله.
أيها الإخوة الأعزاء، قد يشكو النّاس لأواء الحياة، وتضيق بهم سبل العيش في نقص من الأموال والأنفس والثّمرات، وقد ترقى بهم المأساة إلى فواجع الفتن والصّراعات، وتلك سنة الله في خلقه، غير أنه من عجيب الإرشاد في القرآن الكريم أن يجعل الله تعالى ذلك سببا في بقاء هذه البيوت ودوامها لضمان ذلك القدر من الزّاد الرّوحي الذي يكون بمثابة المصل المنعش لإنقاذ الجسم العليل. فقال جلّ من قائل: ﴿وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40). فما نالت بيوت العبادة ذلك القدر من القداسة والحرمة إلا لكونها المأرز الوحيد لعبادة الله وذكره حين ينشغل النّاس بفتنة الدّنيا ويصرعهم رحيق حبّها.