صرخات
الجزء ١ · صفحة ٣٩٩نعم، قد لا ينسى الإنسان ذكر ربّه حيثما حلّ وارتحل، وكيفما سكن وانشغل، غير أن الطّاقة المطلوبة لتوازن الإنسان في السّراء والضّراء والمنشط والمكره، لا يستمدّها بالقدر الكافي إلا من هذه المحطات الكبرى التي تزوّدها خزائن الله التي لا تنفذ، وتتعهّدها يد الله فلا تخشى عطبا ينتابها فتخمد. ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ (النّحل:96). ذلكم هو سرّ فضل الجماعة تحتضنها بيوت الله في خشوع وإجلال، وتطمئن نفوسهم في تضرّع وابتهال.
أيها الإخوة الأعزاء، ضيوفنا الكرام: جازى الله سعيكم خيرا، إذ لبّيتم دعوتنا يحدوكم الإخلاص والوفاء لإخوة لكم في الله تقاسمونهم فرحتهم الكبرى وهم يدخلون هذه المحطة الرّبّانية التي نرجو من الله العليّ القدير أن تكون رافدا من روافد الخير والصّلاح التي تصبّ في نهر هذا البلد الطّيّب، وأن يكون لمنجزها فضل الرّيادة والقدوة لأغنيائنا في تحقيق مثل هذه المشاريع الضّخمة التي يحتسب في إنجازها تعاقب الأجيال، وفي تحديث مرافقها متطلبات الظّروف والأحوال.
فإذا قال الحكماء: من بنى مدرسة فقد أغلق سجنا فنحن نقول: من بنى لله مسجدا فقد ركّز فضيلة وأشاع سلاما ووفّر أمنا لأن المساجد هي منبت المودّة والإخاء، ومضمار التّعاون على البرّ والتّقوى، وهي همزة الوصل بين الأرض والسّماء. يقول تعالى في حديث قدسي: «بيوتي في الأرض المساجد، وزوّاري عمّارها، فحُق على المزور أن يكرم زائره»(1). وإن كان في اعتقادنا أن لا واجب على الله، فإن وعده بتكريم زائريه هو من تمام عدله ورحمته.
(1) - رواه البيهقي في شعب الإيمان، حديث 2682: 4/ 378.