صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤٠فيا صفوة الأجيال، ويا قدوة الأمة في موكب الجهاد والنّضال، الأخ الكريم السّيد مدير المؤسسة، زملائي وأحبائي، السّلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته.
إنه لمن الصّعوبة بمكان أن يقف الإنسان مثل هذا الموقف المحرج الدّقيق، في هالة من زملاء المهنة ورفاق الدّرب. والكلّ يتحرّق إشفاقا ويتحسّر كمدا على فراق صاحبه، في قهر من سنن الحياة، وقرار من الأنظمة التي تواضع عليها النّاس في حياتهم المهنية وأنظمتهم الاجتماعية.
نعم! أيها الأحبة، لقد لقيت بلقياكم هذه شبابي وفتوّتي، أيام كنت في غمرة النّشاط والبذل والعطاء، وأنا لا أشعر بالخيط الأبيض يمزّق سواد شعري ليحرمني لذة الوصال ويؤذن بالفراق والرّحيل، وقد صدق أمير الشّعراء حين صوّر اللّحظات الهنيئة كيف تمرّ عجالا فقال:
ما العمر إلا ليلة … كان الصّباح لها جبينه
ذ
فكيف لا يرتجف فؤادي، ولا تختلج مشاعري لموكب جمع الأحبّة والأصدقاء على حين غفلة من الدّهر، وحرّك الأشواق والحنين إلى لقاء ملائكيّ بكل ما فيه من معاني النّبل والطّهر؛ فإذا بالذّكريات تطالعني من كل حدب وصوّب، وإذا بي أتصفّح الوجوه وأقرأ على أسرّتها معاني الصّداقة والحبّ، فتهزّني الأشواق ولا أملك لها ردّا. وقديما قال عمر بن أبي ربيعة:
وذو الشّوق القديم وإن تعزّى … مشوق حين يلقى العاشقينا
ذ
أيها الأحبة الكرام، لقد طوّقتم جيدي بمنة لا تنسى وكافيتموني بجميل لا يفنى، وبوّأتموني مقعدا خشيت أن أكون دون منزلته، وشرفتموني بقدر أرجو أن يرفعني الله تعالى إلى مرتبته لأكون عند حسن الظّن. وإني لا أقارضكم شكرا بشكر وثناء بثناء، لأن ذلك يفسد ما في القلوب من إخلاص ووفاء، ولا هو من شيمة الأصدقاء الأوفياء. ولكني في هذا الموقف المشهود أدعو الله تعالى بما دعا به الصّديق - رضي الله عنه -: اللّهم اجعلني فوق ما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.