صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤١وكأني بكل واحد منكم تلحّ عليه الخواطر، فيستعرض المشاهد والأطوار في مسيرته المهنية، على ما فيها من تقلّبات ومن متناقضات أحيانا فيودّ لو يطوى الزّمان طيّا، ويقفز لمرحلة التّقاعد جريا.
ولا غرابة في ذلك، فإن الإنسان خلق من عجل، تستحثه خطى الأماني إلى غايته إن سار على مهل، ولكن تذكّروا -أيها الإخوة- حكمة من قال: كل من سار على الدّرب وصل.
أمعلّمي الوادي وساسة نشئه … والطّابعين شبابه المأمولا
والحاملين إذا دعوا ليعلّموا … عبء الأمانة فادحا مسؤولا
إني لأعذركم وأحسب عبئكم … من بين أعباء الرّجال ثقيلا
نعم! أيها الأحبة: إنها أمانة وعبء ثقيل، هذا الذي قصم كثيرا من الظّهور، التي استخفّها التّطاول وركبها الغرور، حين ظنت العملية التّربوية مجالا للراحة ومضغ الكلام، أو منصبا لاستدرار الأموال وجمع الحطام. فخانهم العزم في الخطوات الأولى لسوء الفهم والتّقدير، وتخلّفوا عن القافلة وهي تغذّ السّير.
وهكذا تكون النّتائج وخيمة إذا وسّد الأمر لغير أهله وتنذر بسوء المصير. فاربأوا بأنفسكم -أيها الإخوة- أن يكون في صفكم هؤلاء المتخاذلون لأنهم لا يألونكم خبالا، ولا يصلحون لحمل هذه الأمانة وقد ساءوا مثالا.
وإذا المعلّم لم يكن عدلا مشى … روح العدالة في الشّباب ضئيلا … ذ
وإذا المعلّم ساء لحظ بصيرة … جاءت على يده البصائر حولا
فهو الذي يبني الطّباع قويمة … وهو الذي يبني النّفوس عدولا
نعم! فإن الأجيال التي تربّونها لهي وحدها الكنز الغالي بين أيديكم وفي عهدتكم. تفتقون مواهبهم وتصقلون طباعهم، وتهذبون نفوسهم، ثم تدفعون بهم في كل الميادين رجالا أقوياء يصولون ويجولون، ويبنون ويعمرّون، وينشرون الطّهر والفضيلة، ويحققون الرفاه والازدهار، بالإصلاح والتّغيير المنشود، قائمين بالقسط موفّين بالعهود.