صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤١١دعوني أجبكم عن السّؤال المطروح فأقول: لم يكن الطّريق مفروشا بالورود أمامنا في تقلّد تلك المسؤولية. إذ أن عملية التّغيير والإصلاح تتطلب حنكة وحكمة بالغة في المعالجة بحيث لا تستفز مشاعر العزة والنّخوة في النّفوس ولا توغر الصّدور بنوازغ الأوهام والظّنون. وقد كانت فكرة الامتياز الممنوحة في الحلقة للأربعة الكبار وعلى رأسها الشّيخ هي السّائدة حتى الآونة الأخيرة، ولا تزال هي العقبة الكؤود حتى اليوم في بعض الحلق، ولكننا أدركنا من خلال تجربتنا المتواضعة وإزاء التّطوّرات التي تعيشها منطقتنا، أدركنا أن فكرة الامتياز هذه لم تعد تصلح للأوضاع التي نعيشها، ولا تتجاوب مع الأفكار السّائدة اليوم في أوساط مجتمعنا التي يطغى عليها عنصر الشّباب، وليس هو بالعنصر السّاذج المطواع كما عرفه أسلافنا، بل هو عنصر مستوفز طموح، وعنصر متوثّب غلاّب.
إذن، فلا مناص من إضفاء المسؤولية على كافة الحلقة على قاعدة: وأمرهم شورى بينهم. سيما في المجالات العرفية والاجتماعية، وتبقى مرجعية الفتوى والإرشاد الدّينيّ لأهلها الأكفاء، فلا حق لأحد في النّقض مهما تكن منزلته في الأقدمية إذا ما توافقت أغلبية الحلقة على أمر ينبني على الرّأي والمشورة، وهل كارثة العالم اليوم في المحافل الأممية إلا من إعطاء حق النّقض للكبار المتعالين؟.
كلاّ -أيها الإخوة- فليس من الحكمة ولا من الصّواب أن نكون ضدّ التّيار الجارف، فنسوس جماهيرنا بعقلية الملكية المطلقة والاستبداد السّياسيّ العنيف، أقول هذا وأنا لا أستنقص ما بذله شيوخنا من جهد وإرهاق في تقلّد مسؤولياتهم التّاريخية على رئاسة الحلقات المختلفة، وقد نجحوا لأنهم وجدوا حولهم أعوانا ملتزمين، وجمهورا مطواعا لا ينازعهم في أمر ولا يرتاب في إخلاصهم وولائهم، فأين نحن اليوم من أولئك الأفذاذ الخلّص؟.