صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٤١٣

إن هذه النّظرة المستعلية لم يبق لها مكان اليوم، بل لم يكن لها مكان من قبل في تاريخ الحكم الرّاشدي الممتاز، وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في هذا المنهج القويم: "لا خير فيهم إن لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها".

بلى -أيها الإخوة- لا خير فينا إن لم نتحرّ الصّدق والرّشاد في أقوالنا وأفعالنا كمسؤولين على صيانة بيوت الله، ولا خير في جمهورنا إن هم عرفوا الحق فأنكروه، وتبيّنوا الصّدق فأعرضوا عنه.

ولا شك أن ما نشكوه من خلل في صفوفنا وما نعانيه من تعثر في مسيرتنا له أسبابه الموضوعية، لا بدّ لنا من معرفتها لتشخيص الدّاء أولاً، ثم التماس وسائل العلاج ولو أدّى الأمر لعملية جراحية لاستئصال جذور الدّاء، ولا نعدم في ذلك الإرادة الحازمة، ولا الوسائل الطّيّبة اللازمة.

فلنبادر قبل فوات الأوان، ولنأخذ احتياطاتنا وتأهباتنا قبل انفجار البركان، وإننا لا نحذّركم من خطر نحن عنه بنجوة، على الرّغم مما ذكرته لكم من توافق وانسجام عندنا، لأننا في زمن يقول عنه رسول الله: «يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره»(1).

ولئن حزّ في نفوسنا اليوم أن توجّه إلينا في الموضوع تلكم الرّسائل الجارحة الجريئة من هنا وهناك، فإن الشّكوى إذا لم تجد لها آذانا صاغية وضمائر منصفة فستتلوها -لا قدر الله- تحديات أخرى ربما لا نستطيع مواجهتها، وهي لا تراعي فينا إلا ولا ذمة، ولا تعقبها إلا الأحقاد والضّغائن، ولا تورثنا إلا التّمزق والتّشرذم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود:117).

(1) - رواه النسائي في السنن الكبرى من حديث أبي هريرة، كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات في الكسب، حديث 4455: 7/ 243.

٤١٣ / ٥٠٤