صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤١٤ولسنا بهذه الخواطر ممن ينكر على الشّباب وثبته أو يقبّح جرأته، فإن طبيعة الحياة لا تقبل ذلك ولا ترضاه، بل لا نطلب إلا حسن التّواصل بين الأجيال، وتحقيق التّكامل بين حنكة الشّيوخ وقوة الشّباب.
فنقول لأبنائنا ما قاله الأستاذ المنفلوطي مصطفى لطفي في وصيته الخالدة للشاب المسلم: "لا نستطيع أن ننكر عليكم -معشر الأبناء- أن شبابكم أعظم قوة ونشاطا، وأبعد همّة، وأقوى عزيمة من شيخوختنا، وأن أيدينا الشّاحبة المعروقة لم تستطع أن تصل إلى ما تصل إليه أيديكم الفتية المقتدرة، وأن آراءكم وأفكاركم وجميع تصوّراتكم وآمالكم التي تتكوّن بها شبوبتكم أكثر حدّة وحرارة، وأبعد غورا وعمقا من آرائنا وتصوراتنا. ولكن الذي ننكره عليكم، ونعتب عليكم فيه أشدّ العتب هو زرايتكم علينا، واحتقاركم لنا، ورميكم إيانا بالجمود مرة والخرف مرة أخرى كلما اختلفنا معكم.
كنا نعتقد أننا خير من آبائنا وأجدادنا وأوسع منهم علما، وأقوى إدراكا، وربما اعتقدنا في الكثير منهم -كما تعتقدون فينا اليوم- أنهم جاهلون أو مخترفون، إلا أن ذلك لم يكن يمنعنا من أن نحفظ لهم منزلة الأبوّة وكرامتها، فلا نلقبهم بلقب من هذه الألقاب التي تلقبوننا بها، ولا نذكرهم في حضورهم أو في غيبتهم بكلمة سوء تنغص عليهم ما قدّر لهم أن يقضوه بيننا من أيام حياتهم.
ذلك ما نتضرّع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفظناه من قبلكم لآبائنا وأجدادنا. وأذكروا أنه سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتى علينا وأنكم ستكرهون فيه أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم".(1)
فلتأمّلوا -أيها الإخوة- هذه الوصية الخالدة فإنها تعكس واقعنا المعيش، عسى ربنا أن يهدينا سبل رشدنا ويوفقنا لصالح أعمالنا، ويخرجنا من الظّلمات إلى النّور: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنَ اَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف:10).
والحمد لله ربّ العالمين.
(1) - النظرات: 3/ 74 - 75.