صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٤١٨

أيها الإخوة الكرام، ما كنت أظن أن تمتدّ بي الأيام حتى تقوست أصلابي وارتعشت يداي وتغيّر مزاجي حين أصبحت رهين جرعات من الأدوية أتناولها صباح مساء، وأنا قعيد البيت لا تكاد رجلاي تقويان على حملي، ولست بهذا أنازع الله في قدره، ولا أسخط ما كتبه علي من أمره، فله الفضل والمنة على ما متعني به من صحة وطول عمر، وله الحمد والشّكر على ما قدّم وأخّر.

وها أنا ذا في خريف العمر أستعرض شريط الأحداث وأقلّب الصفحات إذ أراجع مختلف الملفات فأجد منها الطّيّب الذي يبهج الخاطر، وأجد السيء الدنيء وبودّي أن لا تبوح به الأيام، وأن يطمر مع مخلفات الرّكام، ولكن أنى لنا ذلك والتّاريخ لنا بالمرصاد لا يهادن ولا ينافق، وهو الخازن الأمين لمَلزمات الملفات والوثائق. وإني أحمد الله مرة أخرى إذ حمّلني من شؤون الحياة أثقلها، ومن الأمانات أعظمها إذ جعلني مربّي أجيال، ومرشدا للجماهير أحدو بهم على طريق الله تعليما وتوجيها وإرشادا، وقد جعلت من القرآن الحكيم أفق مطلعي ومن تفسيره مراحي ومرتعي، وأنا مع فتنة الدّنيا وزخرفها كما قال أمير الشّعراء:

فمن يغتر بالدّنيا فإني … لبست بها فأبليت الثّيابا

لها ضحك القيان إلى غبيّ … ولي ضحك اللّبيب إذا تعابى

جنيت بروضها وردا وشوكا … وذقت بكأسها شهدا وصابا

فلم أرَ غير حكم الله حكما … ولم أر دون باب الله بابا

ولا عظمت في الأشياء إلا … صحيح العلم والأدب اللبابا

ولا كرمت إلا وجه حرّ … يقلّد قومه المنن الرّغابا

فإذا كان ذو الثّمانين قد سئم الحياة كما اشتكى زهير فما بال الذي يتدرّج إلى التّسعين إلا أن يتمنّى من الله حسن الخاتمة وجميل العاقبة، وأن ينسئ له الأنفاس حتى يتمّ -بعونه- تفسير سورة النّاس، وبعدها يقول كما قال الشّيخ الإمام بعد أن أتمّ الختم وبلغ المرام.

فيا موت زر إن الحياة ذميمة … ويا نفس جدّي إن دهرك هازل

٤١٨ / ٥٠٤