صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٤٢٥

أيّ تفضلّ وأيّ كرم؟ وأيّ فيض في السّماحة والجود؟ فاذكروني أذكركم، إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا الله الذي لا خازن لخزائنه ولا حاسب لعطاياه. الفضل الفائض من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فيّاض العطاء، إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ، ولا يعبّر عند شكره الحق إلا سجود القلب".

ثم يقول: " ﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾، والشّكر لله درجات تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته، وتنتهي بالتجرّد لشكره والقصد إلى هذا الشّكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان، وفي كل خفقة قلب، وفي كل خطرة جنان. والنّهي عن الكفر هنا إلماع إلى الغاية التي ينتهي إليها التّقصير في الذّكر والشّكر، وتحذير من النّقطة البعيدة التي ينتهي إليها هذا الخلط التّعيس -والعياذ بالله-"(1).

أيها الإخوة المؤمنون، شاءت حكمة الله في خلقه أن يفتنهم بالسّرّاء والضّراء، ويبلوهم بالشّر والخير ليمحّص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين، فإن الأقدار تمشي على أعنتها كما أراد لها خالقها، والنّاس في غمرتها ليس لهم من الأمر شيء. وإنما هم في تقلبهم من جملة الأسباب التي ربط الله بها سننه. فطوبى لمن خلقه الله للخير وأجرى الخير على يديه، وويل لمن خلقه للشرّ وأجرى الشّر على يديه.

وقد قدّر الله لمجتمعنا الطّاهر، هذا المجتمع الذي برهن بحقّ على أنه مجتمع مسجدي ربّاني يبصر بنور الله، ويتحرّك بهدى الله، قدّر الله له أن يمحّص بأقسى تجربة تمسّ كيانه وتهزّ أركانه، فأثبت -بفضل الله- مدى أصالته وجوهر معدنه، وتفانيه في حبّ الله ورسوله، والاعتزاز بالقيم الإسلامية الرّفيعة، والالتزام بأحكام الله وتوجيهاته الكريمة عن قناعة وحبّ وإخلاص.

(1) - في ظلال القرآن: 2/ 172.

٤٢٥ / ٥٠٤