صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤٢٦وها هو اليوم يجني ثواب جهده ونصبه فوزا وانتصارا، إذ خرج من محنة الاختبار أقوى ما يكون ثباتا وصبرا، وفوق ما يرجوه عزّا وفخرا. لأنه لا خوف على الأمة من عدوّ يتربّص بها من خارج حدودها فتأخذ منه حذرها وتجمع أمرها، ولكن الشّرّ كل الشّرّ من ريح تهبّ من داخل، فتضطرب الصّفوف ويختلط الحابل بالنّابل. وليس أخبث ولا أنكر على المجتمع من ظاهرة النّفاق، ولا أقسى على أولى الأمر فيه من مكرها ودسائسها، لأنها تجوس خلال الدّيار، بسند من حق العشير والجار، فكان الجزاء الإلهي لنا على قدر تلك الشّرور والأخطار.
فلا عجب أن تكون هذه الظّاهرة من أخطر ما ابتلي به ذلكم المجتمع المثالي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ واجهت الجماعة المسلمة بحزم وأناة. وقد شخص الله لرسوله أعراض هذا المرض الوبيل ليعرف كيف يعالجه ويستأصل شفته فقال تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً، مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:61 - 62).
وهل نكون أيها المؤمنون أعزّ على الله من رسوله؟، فنطمع أن نزجي سفن مجتمعنا في بحر هادئ لا تصيبنا فيه رياح ولا أنواء: ﴿أَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ معَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلآَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:214).
كلا! فما نيل المطالب بالتمنّي … ولكن تؤخذ الدّنيا غلابا