صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤٢٨يعرض الله لعباده في الآية الأولى ثوابين: عاجلا وآجلا، ووكل الخيار بينهما إلى إرادة الإنسان، والله تعالى يعطي لكل عبد ما تتعلق به همّته، غير أن جزاء الشّكر لا يترتب إلا لمريد الثّواب الباقي المدّخر عند الله، لأنه سوف يلتزم بحقيقة الشّكر التي تمثل في تقديس الله وإفراده بالعبودية والتزام طاعته وطلب رضاه، فمن وجد ذلك من نفسه إيمانا وعملا وسلوكا، فليحمد الله وليطلب المزيد، ومن وجد غير ذلك فليعلم أنه قد فرّط في جنب الله فلا يلومنّ إلا نفسه. فرجاءنا في الله أن نكون في مسعانا ممن يريد ثواب الآخرة، وإن كنا في هذه الرّحلة الدّنيوية نكدّ ونجتهد ونأخذ بأسبابها المعقولة والمشروعة. فعلى هذا المحكّ الرّبّاني تمتحن النّفوس وتمحصّ النّوايا، وتتميّز الهمم. فلتكن نوايانا مخلصة لله في كل ما نأخذ أو ندع، ولتكن هممنا مستشرفة لحبّ الخير والفضيلة، مسخرة لنصرة الحق ونشر البرّ والإحسان، ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النّحل:96)، وهل أغلى في حياة الأمم وأبقى لعزتها من مكارم الأخلاق؟.
ومن تمام شكرنا لنعمة الله -أيها الإخوة- أن نلتزم في تصرفاتنا ومعاملاتنا لغيرنا ميزان العدل والإنصاف كما ترشد إليه الآية الثّانية: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء:15). فلا نأخذ النّاس بالظّنة في معاملاتنا إياهم، ولا نحمّلهم أوزار غيرهم، ولا نغلو في مواقفنا عندما نعدّد المساوئ والخطايا، لأننا لا نستطيع أن نأمن الشّطط في جموح العاطفة، ولا أن نتحاشى الانزلاق والجموح في هبوب العاصفة. فلنتدرع بالصّبر والأناة حتى لا تطوّح بنا نشوة النّصر، ولنلتزم في مواقفنا بهذه الحكمة التي جرت على لسان المتنبي حين قال:
ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا … مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى