صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٤٤٩

لم يكن هذا الجزء الغالي من الوطن في منطقة ميزاب بمعزل عن الأحداث الوطنية في شدة أو رخاء، وفي سرّاء أو ضرّاء، من يوم أن اتخذه أسلافنا مستقرا لحياتهم وموئلا لتجمّعهم واستقرارهم. ثم ظلوا في مسارهم التّاريخي الطّويل على تكامل وانسجام وتجاوب في الآمال والآلام مع بقية أجزاء الوطن الأخرى، وهم يبذلون أغلى التّضحيات للحفاظ على أصالتهم العربية الإسلامية، ويعانون من قساوة الطّبيعة ما جعلهم يعتمدون على أنفسهم، وهم يضربون في طول البلاد وعرضها طلبا للرزق، وتوفيرا لأدنى وسائل الحياة والعمران في هذه المنطقة ليجعلوا منها درّة في صحرائنا الغالية.

وظل هذا التّواصل التّاريخي والتّكامل الحضاريّ قائما ومستمرّا حتى في أحلك الظّروف من ويلات الاستعمار الفرنسي البغيض، وحكمه العسكريّ الجائر الذي حاول أن يفكك أجزاء الوطن بإثارته للنعرات الطّائفية، وإذكائه للنّخوة العرقية أو العصبية المذهبية. وقد أحكم قبضته على هذه المنطقة بالخصوص، على اعتبار أنها مخزن لتمويل الثّوار. حتى دعا داعي الجهاد للثورة التّحريرية الكبرى، فاستجابت لنداء الوطن، وكانت من المخلصين الأوفياء، كما برهنت على ذلك من قبل في كثير من المواقف ضدّ الغزاة الطّامعين.

ب) - في معركة التّحرير:

لكم كانت معاناتنا أليمة في معركة المصير، ونحن نستشف من خلالها كل عزة وكرامة لشعبنا الذي بذل في سبيلها أغلى التّضحيات، واسترخص من أجلها الحياة، وكان كثير من أبنائنا المخلصين إلى جانب رفاقهم في الجهاد والنّضال يقومون بواجبهم الوطني في إخلاص وتفان، ويؤدون مهمّتهم في اتزان وصمت، لا تستخفّهم المطامع ولا تندّ بهم الأهواء، ولا ينال من عزيمتهم الجلاّدون، وهم منبثون في كل أرجاء الوطن ملاذا للمجاهدين والفدائيين ومستودع أسرارهم، مما كان له الأثر الفعّال في تركيز العمل الثّوريّ في الحواضر والأرياف.

٤٤٩ / ٥٠٤