صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٤٦٠

وهكذا يفعل الطّغيان والجبروت بقوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، والله تعالى يملي لهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون. وحين يتردّى الإنسان إلى درك الحيوانية، فإن معاني الرّحمة والحنان تغيض في نفسه، ونوازع النّبل والكرم والإحسان لا يجد لها مذاقا في تصرفاته ومعاملاته، لأن الحيوانية قد ملكت عليه زمام أمره، فهو لا يتصرّف إلا من خلال إفرازاتها، ولا يحكم على الأشياء إلا بمقتضى إيحاءاتها، فليس إلا منطق القوة حجة وبرهانا، وليس إلا الإرهاب والبطش حكما وسلطانا. وهل ينتظر من قوم عاد غير هذا المنحى الوحشيّ بعد أن رفضوا الإيمان؟. فلنتأمّل مبلغ اغترارهم بالقوة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنَ اَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ (فصلت:15).

والاستكبار في الأرض كان وما يزال الباعث على كل أنواع الشّرور، وهو الوصف الذي ندّد الله به على إبليس حين أبى أن يسجد لآدم، فوجّه الله إليه هذا التّقريع: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (ص:75). فالاستكبار نقيصة في كل الأحوال، وأشنعه ما كان بغير الحق، لأن الكبرياء من خصائص الألوهية. وحين يبلغ الاستكبار مداه في النّفوس وتسانده القوة والسّلطان، فإنها لا تخفّف من غلوائها، ولا تكفكف من غرورها، إلا أن تتألّه على النّاس وتعلو رقابهم ناسية أو متناسية بأن الله الذي خلقهم هو أشدّ منهم قوة، وهو القاهر فوق عباده، يأخذهم أخذ عزيز مقتدر حين ينقطع العذر ويحمّ القضاء فأين هي تلك القوّة التي تطاولوا بها؟ وهل ترى لحضارتهم من باقية في تلك الرّبوع الخالية؟. إن هي إلا ثمانية أيام من ريح صرصر عاتية حتى أصبحوا أحاديث.

٤٦٠ / ٥٠٤