صرخات على مسرح المجتمع محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

صرخات

الجزء ١ · صفحة ٤٦٣

فأية بركة حفت العطفاء، وأيّ مقام بوّأها الله تعالى في منازل العظماء؟ وقد ارتفع العلم الوطني خفّاقا على مئذنتها وفي أرجاء واديها، إرهاصا لما يسفر عنه الاستفتاء؟، ذلك لأنها أصبحت منطقة محرّمة على جيش العدوّ وهو يجرّ أذيال الخيبة والفشل، ناكصا على عقبيه فاقدا للأمل.

أيها الشّعب الكريم، تذكّروا اليوم بكل فخر واعتزاز تلك المواقف التّاريخية التي سجّلتم بها أروع الصّفحات في تاريخ ثورتنا المجيدة، وقد آويتم أبطالها وافتديتموهم بأموالكم وأنفسكم، واحتضنتم جموع المواطنين الذين استجابوا لنداء قيادتهم فجاؤوا من كل حدب وصوب للتجمّع الشّعبّي في مدينة "الشّارف" تحت قيادة الولاية السّادسة التّاريخية.

اذكروا للأجيال الصّاعدة تلك الأيام العصيبة، إذ زاغت فيها الأبصار وبلغت القلوب الحناجر في طوق رهيب لجنود العدوّ يجوس خلال الدّيار ويبتذل المقدّسات من بيوت الله ويهتك الأستار. ردّدوا أصداء تلك الخطب التي صرخ بها قادة الجيش، وهم يعدونكم بنصر مؤزر، ومستقبل أخضر وأزهر، وهي ما تزال تردّد أصدادها هذه الجبال والشّعاب وتستكنّ في موجات الأثير، وتعتلج في ضمير الوجود.

اذكروا كل ذلك -أيها الإخوة- فإن وطأة السّنين تكاد تنسينا، ومفاجآت الأقدار تكاد تصّمنا وتعمينا.

وإن تنس لا تنس يوم فصل الخطاب في الخامس من شهر جويلية سنة 1962م، يوم قال الشّعب "نعم" لجبهة التّحرير، في استفتاء تقرير المصير، فما أعظم فضل الله علينا وقد جمعتنا المصائب واعتصمنا بالصّبر والإيمان بالله نعم المولى ونعم النّصير.

وها هي اليوم تمرّ على تلك الذّكريات الغالية ستّ وثلاثون سنة، ونحن نركض لاهثين في حلبة البناء والتّشييد، ونجتهد في وتيرة التّنمية الوطنية نخطئ ونصيب، ونبدئ ونعيد. ويتربّص بنا أعداء الوطن ويتحرشون بنا في كل مسلك وسبيل، ولكن إرادة هذا الشّعب العظيم قد صهرتها المحن ومحّصتها الشّدائد.

٤٦٣ / ٥٠٤