صرخات
الجزء ١ · صفحة ٤٩أجل -أيها الإخوة الأجلاء- إننا لا نستعيد الذّكرى للتحسّر والبكاء، فليس ذلك شأن المؤمن الذي يذعن للقضاء، ولكننا تداعينا إلى هذا المكان الطّاهر بمسجد القرارة العامر لنرد الماء من مورده الصّافي، ونستطبّ لأمراضنا بالبلسم الشّافي، فإن للأمكنة المعمورة معانيها وإيحاءاتها، وللشخصيات الوقورة قدرها وجلالها. ففي رحاب هذا البيت المعمور دوّت صيحات الإمام بالعلم والإرشاد، يتفيّأ بعمّاره ظلال القرآن، ويرتع ببنيه في رياض السّنة. وفي جنباته فجّر للإصلاح ينبوع الحياة لترتوي منه الأجيال، وتتزوّد بزاد العلم والتّقوى، ثم يقذف بهم في ميادين الحياة كأمثل ما يكون عليه الفضلاء من الرّجال. فمَن منكم أيّهذا الجيل لم يقتبس من نوره، ولم يتعلّم السّرى على كواكبه وبدوره؟؟ ولئن فني جثمانه الطّاهر في ذرّات التّراب، فإن روحه الخالدة ترفّ علينا ما بقينا أوفياء لهذا المحراب، إنها تطالعنا من كل الزّوايا في هذا المكان الطّاهر، بل إنها مستكنّة في كل ذرّة منه تسبّح بحمد الله، وتثني عليه بما هو أهل له، إذ حباها من فضله، وأيّدها بعونه ونصره، وعصمها من النّاس فاستطاعت في رحلة عمرها الدّنيوية أن تبني هذا المجتمع الرّبّاني الفاضل، وتضع للمسيرة الإصلاحية معالم طريقها على نهج الله في إطاره الصّحيح الكامل. وقد جعلها الله منقذا لمجتمعنا في فترة من الجهل والرّكود. وعلى حيرة من التّحجّر والجمود.
فسبحان المدبّر الحكيم كيف يحي الموات، ويمنّ على من يشاء من عباده بالكفاءات والقدرات، فتجتمع في الفرد الواحد خصائص الأمة ليصبح في نهضتها معقد الآمال، تتغيّر على يده الأوضاع وتستصلح الأحوال. فكم لإمامنا من صولات وجولات في مقارعة الضّلالات والأوهام، وفي مجابهة الظّلمة اللّئام، لا تلين عريكته في مقاومة البغي والطّغيان، ولا يطيش حلمه حين يقعقع له بالشّنآن.